اليوم...
لم يكن يومًا عاديًا.
كان نهارًا قصيرًا بما يكفي ليقنعني أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد اللحظات التي نشعر فيها أننا أحياء.
لم نفعل شيئًا يغيّر العالم.
لم نصنع حدثًا يستحق أن تكتبه الصحف.
كل ما فعلناه أننا عشنا سبع ساعات...
لكنها كانت كافية لتعيد ترتيب أشياء كثيرة داخلي.
اكتشفت في ذلك اليوم أن المدن لا تصنع الذكريات، وأن الطرق ليست سوى خطوط على الخرائط، وأن الطائرات لا تنقل الناس فقط، بل تحمل معها نسخًا مختلفة منهم.
كنت أسير إلى جوارك، بينما كنت في الحقيقة أسير نحو نسخة جديدة من نفسي.
نسخة تعرف أن الطمأنينة قد تكون إنسانًا، وأن الضحكة قد تصبح وطنًا مؤقتًا، وأن الصمت، حين يكون مع الشخص المناسب، يستطيع أن يقول أكثر مما تقوله اللغات كلها.
لا أتذكر كل ما تحدثنا عنه.
لكنني أتذكر كيف شعرت.
وأحيانًا...
الإحساس أصدق من الذاكرة.
عندما انتهى كل شيء، لم أعد أحمل حقيبتي وحدها.
كنت أحمل يومًا كاملًا، أخشى أن يبهت مع الوقت.
وكلما ابتعدت الطائرة عن الأرض، أدركت أن بعض الرحلات لا تنتهي عند الهبوط...
بل تبدأ بعد الفراق.
لهذا أكتب.
ليس لأنني أخشى أن أنسى.
بل لأن هناك سبع ساعات، في مطلع الشهر السابع من هذا العام، تستحق أن تبقى حيّة، حتى لو مضى العمر كله بعدها.
ذهبت .... ولم أعد أنا...
عدتُ بجسدي إلى حيث كنت، لكن شيئًا مني بقي هناك، مع الطريق الذي مشينا فيه، ومع الأماكن التي ضحكنا فيها، ومع تلك الساعات التي مرّت أسرع مما ينبغي.
لم يكن الوداع هو الأصعب…
الأصعب كان أن أعود إلى حياتي وكأن شيئًا لم يحدث، بينما كل شيء بداخلي قد تغيّر.
أدركت في تلك اللحظة أن بعض الأشخاص لا يأخذون معهم وقتًا من يومك فقط، بل يأخذون جزءًا من روحك، ويتركونك تحاول أن تعتاد على غيابها.
ذهبتِ…
وتركتِ خلفك مدينة كاملة من الذكريات، وصوتًا ما زال يتردد في رأسي، وحنينًا لا يعرف كيف يهدأ.
ومنذ تلك اللحظة، وأنا لا أفتقد اليوم…
أنا أفتقدك.
“كان صرحًا من خيالٍ فهوى.”
لم أفهم هذا البيت يومًا كما فهمته في تلك الليلة.
كنت أظن أن الصروح تُبنى بالحجارة، حتى اكتشفت أنها قد تُبنى أيضًا بنظرة، وبضحكة، وبطريقٍ يمتد من مطار إلى شوارع، ثم يعود إلى صالة المغادرة.
سبع ساعات فقط…
سبع ساعات كانت كافية لأرسم عمرًا كاملًا في رأسي؛ بيتًا لم يُبنَ، وصباحاتٍ لم تأتِ، وسفرًا لم يحدث، وأعيادًا لم نجتمع فيها، وأطفالًا لم يولدوا.
كنت أبني كل ذلك بصمت، بينما كانت الساعة تمضي أسرع مما ينبغي.
ثم جاء النداء.
نادوا على رحلتي أولًا، وكأن القدر أراد أن يعلمني أن بعض القصص لا تنتهي عندما يغادر آخر شخص… بل عندما يُنادى على اسمك لتترك كل شيء خلفك.
التفتُّ إليها للمرة الأخيرة.
ابتسمنا.
لم نقل شيئًا.
وكان ذلك الصمت أبلغ من ألف اعتراف.
في تلك اللحظة فقط، فهمت معنى قول إبراهيم ناجي:
“كان صرحًا من خيالٍ فهوى.”
لأن الصرح لم يكن نحن…
كان كل ما تخيلته بعد تلك الساعات السبع.
الناجية من النسيان ,, عبر الأزمان
كنتِ أكبر زمن.
الحب يمكن أن يولد ويموت، أما الزمن فلا يغادر صاحبه أبدًا.
كلما ظننت أنني عبرتك، وجدتك في تاريخ، أو مطار، أو شارع، أو أغنية، أو صورة لم أعد أتذكر لماذا التقطناها.
أحببت غيرك، وتزوجت، وصرت أبًا.
وفعلتِ أنتِ الشيء نفسه.
كأن الحياة كانت عادلة معنا إلى حد السخرية؛ تزوجنا في العام نفسه، وأنجبنا في العام نفسه، وكبر أولادنا معًا… بينما نحن كنا نتظاهر أننا لم نعد نعرف بعضنا.
ثلاثة عشر عامًا وأنا أحاول أن أكتب نهاية لهذه الحكاية.
وفي كل مرة، كانت الحياة تمزق الصفحة الأخيرة وتعيدني إلى البداية.
حتى جاء ذلك اليوم.
سبع ساعات فقط.
لا وعد فيها.
لا عتاب.
لا مستقبل.
ولا ماضٍ نستطيع إصلاحه.
جلسنا كغريبين يعرف كل واحد منهما أسرار الآخر أكثر مما يعرفها عن نفسه.
ضحكنا، وكأن البكاء أخذ إجازة قصيرة.
ومشينا، وكأن الزمن تعب أخيرًا من مطاردتنا.
ثم جاء النداء الأخير للطائرة.
اكتشفت عندها أن المطارات لا تفرق بين المسافرين.
كلهم يغادرون بالطريقة نفسها.
لكن بعضهم يترك نصف قلبه على كرسي في صالة انتظار، ويعود بالنصف الآخر إلى بيته.
منذ ذلك اليوم، لم أعد أبحث عنك.
ولم أعد أحاول نسيانك.
تعلمت أخيرًا أن بعض البشر لا يسكنون حياتنا…
بل يسكنون الزمن نفسه.
ولهذا، كلما تقدمت في العمر، التقيت بك من جديد.
حين انتصر الزمن
لا أريد أن أعرف اليوم من كان المخطئ.
لقد تأخر السؤال كثيرًا، حتى صار الجواب بلا جدوى.
تعبت من المحاكمات.
ومن إعادة الحكاية كل مرة، كأن الحقيقة تختبئ في تفصيل نسيناه.
كل ما أعرفه...
أنني، كلما أغلقت بابًا بيننا، كنت أترك خلفه رجلًا لم يعد يشبه الذي يفتحه في المرة التالية.
كنت أعود.
لا لأنني كنت أجهل الطريق إلى الرحيل.
بل لأن قلبي، في كل مرة، كان يختار الطريق الذي يؤدي إليك.
سافرت إليك حين كانت المسافات تبدو أطول من الأعمار.
وانتظرتك في محطات لم تكن القطارات تصل إليها في موعدها.
ووقفت إلى جانبك يوم اختار الجميع أن يصدقوا الحكاية، واخترت أنا أن أصدق الإنسان.
لم أكن أبحث عن بطولة.
ولا عن مكافأة.
كنت أبحث عن طمأنينة صغيرة، تقول لي إن كل ما منحته للحب لم يذهب سدى.
لم أكن رجلًا كاملًا.
كنت أغضب أكثر مما ينبغي.
وأصمت حين كان يجب أن أتكلم.
وأقول في لحظات ضعفي كلماتٍ تمنيت لو استطعت استعادتها قبل أن تصل إليك.
وأنتِ أيضًا...
لم تكوني امرأة كاملة.
كنتِ تخطئين، ثم تحاولين إصلاح الخطأ، فيسبقك الزمن إلى كسر شيءٍ آخر.
وهكذا عشنا.
كلما أصلحنا نافذة...
انهار جدار.
وكلما عبرنا عاصفة...
وجدنا أخرى تنتظرنا.
لم يكن الحب هو الذي ينقصنا.
كان ينقصنا العمر الذي نملكه اليوم.
ذلك النضج الذي جاء متأخرًا، بعدما استهلكنا أجمل سنواتنا في تعلم الدرس نفسه.
واليوم...
لا أريد اعتذارًا.
فالاعتذارات لا تعيد الأعمار.
ولا أبحث عن تبرير.
فالقلوب لا تحاكم بعضها بعد كل هذا التعب.
كل ما أعرفه...
أننا كنا نستحق فرصةً أفضل من تلك التي منحها لنا الزمن.
ولو سألني أحدهم، بعد كل هذه السنوات، ما الذي خسرناه؟
لن أقول: خسرنا قصة حب.
فقصص الحب تُنسى.
أما نحن...
فقد خسرنا حياةً كان يمكن أن تكون أجمل...
لأن الزمن علّمنا كيف نحب...
بعد أن فات أواننا.
لم يعد الزمن شاهدًا
لم أعد أريد أن أعرف من الذي أضاع الآخر.
فالزمن، بعد كل هذه السنوات، محا آثار الأقدام التي كانت تقود إلى الحقيقة.
كل ما أعرفه...
أننا كنا أصغر من الحب الذي حملناه.
وأن العمر كان يركض...
بينما كنا نظن أن لديه متسعًا ليمنحنا فرصةً أخرى.
اليوم، حين أعود إلى تلك الأيام، لا أرى المشاجرات.
أراها بعيدةً إلى الحد الذي لا أكاد أسمع أصواتها.
أرى نافذةً فُتحت ذات مساء.
وموقف سياراتٍ طال فيه الحديث حتى نسي الليل نفسه.
وصورةً لا أذكر أين التُقطت، لكنني ما زلت أذكر كيف كنتِ تنظرين إليّ فيها.
ورائحةً تعبر بي العمر كله في لحظة.
وضحكةً كانت تكفي لتؤجل العالم ساعةً أخرى.
الغريب أن الذاكرة رحيمة.
تترك الحجارة في الطريق...
وتحتفظ بالورد.
كأنها تعرف، أكثر منا، أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا حمل كل ما انكسر.
لم يعد في قلبي متسع للعتاب.
فالعتاب يحتاج إلى مستقبل.
أما نحن...
فلم يبق لنا إلا ماضٍ نتأمله من بعيد، كمسافرين يلوحان لمدينةٍ لن يعودا إليها.
ما ضاع...
ضاع.
ولم يعد يؤلمني أنه ضاع.
يؤلمني أنه، في يومٍ من الأيام، كان بين أيدينا.
وكان يكفي أن يسبق الزمن خوفنا بخطوة...
لنعيش حياةً أخرى، لا يعرفها أحد، إلا نحن.
كرت الشحن لم يشحن هاتفًا... بل شحن ذاكرة
لا أذكر ماذا قلنا تلك الليلة.
وأظن أن الكلمات نفسها لم تكن تعرف ماذا تريد أن تقول.
كل ما أتذكره...
أن لكل كلمةٍ خرجت من فمها، رجفةً وصلت إلى قلبي.
كنت أسمعها...
ولا أسمع المعنى.
كنت أراقب حركة شفتيها أكثر مما أتابع الحديث.
وكانت تنظر إليّ، ثم تهرب بعينيها، فأشعر أن العالم كله ارتبك معنا.
لم تكن بيننا يدٌ تبحث عن يد.
ولا قلبٌ يجرؤ أن يعترف.
كان كل شيء يحدث ببطءٍ يشبه ولادة المطر.
كل ثانية كانت أطول من عمر.
وكل صمتٍ بين جملتين، كان يمتلئ بألف كلمةٍ لم يجرؤ أحدنا على قولها.
أذكر أنني كنت أتنفس بحذر.
كأن نفسًا واحدًا زائدًا، قد يفسد تلك الليلة.
وأذكر أن قلبي، لأول مرة، لم يكن يخفق...
كان يرتجف.
لا أعرف كم مضى من الوقت.
ربما دقائق.
وربما عمرٌ كامل.
ثم...
حدث الشيء الوحيد الذي لم يكن يحتاج إلى اتفاق.
اقتربت المسافة بيننا، كما لو أنها تعبت من مقاومتنا.
ولدت القبلة الأولى.
لا لأن أحدنا أراد أن يقبّل الآخر...
بل لأن القلبين، بعد كل ذلك الارتباك، لم يعودا يعرفان لغةً غيرها.
ما علق بين الأصابع
لا أعرف ما الذي بقي مني فيكِ.
لكنني أعرف أنه لم يكن الكلام.
الكلام يموت.
أما اللمسة...
فلها عمرٌ لا يشبه أعمارنا.
حين قلتِ إنكِ ما زلتِ تشبكين أصابعكِ كما علّمتكُ يومًا، شعرتُ بشيءٍ لم أعرف له اسمًا.
كأن الزمن، بعد كل ما أخذه منا، أعاد إليّ دليلًا صغيرًا على أننا لم نعش عبثًا.
أربكني أن يدكِ كانت أوفى من ذاكرتي.
هي تذكرت...
وأنا نسيت.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت أخشى اللمسات أكثر من الكلمات.
فالكلمات نودعها حين ننساها.
أما اللمسات...
فتعيش في الجسد وكأنها خُلقت معه.
لا تطلب إذنًا.
ولا تعلن عن وجودها.
تنتظر سنواتٍ طويلة...
ثم تستيقظ فجأةً في جملةٍ عابرة.
أحيانًا أعتقد أن الإنسان لا يغادر من أحب.
إنه يختبئ في تفاصيله.
في طريقة إمساكه بيد.
في التفاتة رأس.
في كلمةٍ يختارها دون أن يعرف من أين جاءت.
لهذا...
حين قلتِها...
لم أشعر أنني تركت في يدكِ طريقةً لتتشابك الأصابع.
شعرتُ أن لمسةً واحدة...
كانت أقوى من عشرة أعوام من الغياب.
لهجتكِ على لساني , حين أصبحتُ أنطقكِ
لم أسرق منكِ شيئًا...
إلا اللغة.
بعد كل هذه السنوات، لم أعد أعرف أي الكلمات وُلدت في فمي...
وأيها هاجرت إليّ من فمك.
هناك مفردات، كلما نطقتها، شعرت أنها تلتفت خلفها، كأنها تبحث عن صاحبتها الأولى.
أحيانًا أسمع نفسي، فأفاجأ بك.
لا في الذكرى...
ولا في الصورة...
بل في كلمةٍ عابرة، كنتِ تقولينها دون أن تدركي أنكِ تتركينها في داخلي.
يقولون إن الحب يغيّر القلوب.
ولا أحد يخبرنا أنه يغيّر اللغة أيضًا.
نغادر الأشخاص...
لكننا نأخذ معنا طريقتهم في الضحك، وفي الدهشة، وفي اختيار الكلمات.
ثم نمضي العمر، نظن أننا نتحدث بأصواتنا...
بينما يخرج من أفواهنا، بين حينٍ وآخر، شيءٌ منهم.
وربما لهذا...
كلما تكلمت أكثر...
شعرت أن جزءًا منكِ ما زال يعيش في لغتي.
خريطة الجسد
لم أكن أحفظ وجهك كما يحفظ الناس الوجوه.
كنت أحفظك كما يحفظ المسافر طريق العودة إلى بيته.
كانت لكِ علاماتك الخاصة، تلك التي لا يلاحظها أحد، لكنها كانت بالنسبة إليّ خريطة كاملة.
في منتصف ظهرك، كانت تقيم انحناءة خفيفة، لا تكاد تُرى، لكنها كانت العلامة التي لو أطفأ العالم أنواره كلها، ومددت يدي أتحسس عمودك الفقري، لعرفت أنكِ أنتِ دون أن أرى وجهك.
وكانت أنيابك الصغيرة، كلما ضحكتِ، تمنح ابتسامتك شخصية لا تشبه أحدًا. لم تكن ابتسامة كاملة... كانت ابتسامتك أنتِ، وذلك كان يكفي.
وعلى الجانب الأيمن من عنقك، كانت تستريح شامة صغيرة، كأن الله وضع نقطةً أخيرة بعد أن انتهى من كتابة قصيدته.
لم أكن أتأملك لأنكِ أجمل النساء.
بل لأنني كنت أعرف أن العالم كله، لو اجتمع أمامي، فلن يحمل هذه العلامات مجتمعة إلا امرأة واحدة.
العجيب أن الزمن سرق مني أسماء شوارع، وأرقام بيوت، ووجوهًا كثيرة عبرت حياتي.
لكنه لم يستطع أن يبدل موضع تلك الشامة في ذاكرتي.
ولا شكل ابتسامتك.
ولا تلك الانحناءة الصغيرة التي كانت تقول ليدي، قبل عيني، إنكِ أنتِ.
أدركت متأخرًا أن الحب لا يحفظ الجمال...
الحب يحفظ العلامات.
تلك الإشارات الخفية التي يتركها الله في إنسان، ليهتدي إليه قلبٌ واحد، حتى لو أغمضت الدنيا عينيها كلها.
قبلة من زجاج
لا أتذكر اسم الفيلم.
ولا أظن أن أحدًا يتذكر الأفلام التي كانت مجرد عذر ليجلس طويلًا إلى جوار من يحب.
كل ما أتذكره...
أن الليل كان أهدأ من قلوبنا.
كانت المدينة تعيش خارج النافذة.
أما نحن، فكنا نترنح داخل غرفة صغيرة، يكفينا منها أريكة، وشاشة مضيئة، وقارورة شيفاز تتنقل بين يدينا.
لم نكن نشرب كثيرًا.
كنا نرتشف الوقت أكثر مما نرتشف الشراب.
وكانت تضحك كلما عبست من مرارة الرشفة الأولى.
ثم تعود وتأخذ رشفة أخرى، كأنها تتحدى نفسها.
وعندما لم يبقَ في القارورة إلا القليل، سبقتها إليها.
رفعتها إلى فمي، وتركت آخر رشفة تستقر لحظة قبل أن أبتلعها.
نظرت إليّ باحتجاج طفولي.
ثم اقتربت دون أن تقول كلمة.
وضعت يدها برفق على وجهي، وقبّلتني.
قبلة قصيرة...
هادئة...
سرقت بها آخر ما بقي من تلك الرشفة.
ثم ابتعدت وهي تضحك، كأنها انتصرت في لعبة صغيرة لا يعرف قوانينها سوانا.
ضحكت معها.
ولم يخطر في بالي، وأنا أراها تضحك بذلك الصفاء، أن السنوات ستسرق منا أشياء أكبر بكثير من رشفة ويسكي.
بعد كل هذا العمر...
لم يبقَ في ذاكرتي طعم الشيفاز.
لكنني ما زلت أذكر، بتفاصيل لا ترحم، ابتسامتها بعد تلك القبلة.
وأدرك الآن...
أن بعض الذكريات لا تعيش لأنها كانت عظيمة.
بل لأنها كانت بسيطة إلى الحد الذي لا يتكرر.
فانص
لم تطلب سيجارة… كانت تطلب ذريعةً صغيرةً لتختبر المسافة بين روحين.
ناولتُها تلك التي كانت بين شفتي، دون أن أفكر أن الأشياء التي لامست أفواهنا لا تعود أشياء، بل تصبح اعترافات صامتة. ارتشفتها كما لو أنها تعرف أن بعض القرب لا يحتاج إلى موعد، وأن بعض الحميمية تولد في أبسط التفاصيل.
نظرتُ إليها مبتسمًا وقلت: “يا فانص.”
لم أغلف الكلمة بتفسير، فهي تعرف أن الكلمات بين شخصين لا تحمل معناها الذي يعرفه الناس، بل معناها الذي تصنعه اللحظة.
ابتسمت، ونفثت الدخان ببطء، ثم قالت بالإنجليزية:
“It feels good to be فانص.”
ضحكتُ في داخلي. لم تكن تدافع عن نفسها، ولم تكن تعترض على الوصف، بل كانت ترتديه كما يُرتدى عطرٌ خفيف في مساء صيفي. كأنها تقول: إذا كان هذا يعني أنني أعيش اللحظة بلا خوف… فأنا كذلك.
عندها أدركت أن الدخان لم يكن يصعد إلى السماء وحده، بل كانت تصعد معه كل الحواجز التي كانت بيننا. وأن سيجارةً واحدة، انتقلت من فمٍ إلى فم، استطاعت أن تختصر حديثًا طويلًا عن الثقة، والجرأة، وذلك النوع من الألفة الذي لا يُكتب في الرسائل ولا يُقال بصوتٍ عالٍ.
بعض القصص لا تبدأ بعبارة “أحبك”…
بل تبدأ بسيجارةٍ واحدة، وابتسامةٍ تقول أكثر مما تستطيع اللغات كلها أن تقوله.
الحنين، إذا حُبس داخل زجاجة...
قلتِ لي يومها،
"اشتريه... ورشّه على وسادتك."
كنتِ تقصدين قنينة معطر.
أما أنا...
فسمعت العمر كله.
كنتِ ترين زجاجة، وكنتُ أرى فخًا.
ابتسمت ورفضت.
ليس لأنني لا أحب الرائحة.
بل لأنني أعرف الذاكرة جيدًا.
الرائحة لا تأتي وحدها.
تدخل البيت، وتفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر.
تعيد ترتيب الغياب.
وتجلس في الأماكن التي ظننت أنها فرغت من أصحابها.
كيف سأقنع قلبي، كل ليلة، أن الرائحة جاءت... وصاحبتها لم تأتِ؟
كيف سأمر بجانب وسادتي، فأشم حضورًا يشبهكِ، ثم ألتفت فلا أجد إلا الغياب؟
هناك أشياء لا ينبغي أن نقتنيها.
ليس لأنها تؤلمنا...
بل لأنها تمنحنا الوهم بأن الإنسان يمكن أن يُختصر في رائحة.
كنتِ ترين زجاجة.
وأنا كنت أرى لياليَ كاملة، تُفتح مع أول رشة.
لهذا رفضت.
ليس خوفًا من الحنين...
بل احترامًا له.
فالحنين، إذا سُجن داخل زجاجة...
أصبح عقوبةً مؤبدة.
فستان من وجع
ألححتُ كثيرًا حتى أرسلتِها.
كنت أظن أنني أبحث عن صورة.
ولم أكن أعرف أنني كنت أبحث عن جرحٍ جديد.
حين ظهرت أمامي، لم أرَ فستانًا.
رأيت عمرًا كاملًا لم أكن فيه.
رأيت يومًا كان يجب أن أعرف تفاصيله، لكن القدر كتب اسمي خارجه.
بقيت أحدق لثوانٍ فقط.
ثم قلت لكِ:
أزيليها…
أرجوكِ أزيليها.
تفاجأتِ.
كيف لمن ظل يطلبها كل هذا الوقت، يهرب منها بهذه السرعة؟
لأنني كنت شجاعًا في خيالي…
وجبانًا أمام الحقيقة.
في الخيال، كنت أرى صورة.
أما في الحقيقة…
فكنت أرى امرأةً وصلت إلى يومٍ تمنيت، يومًا، أن أصل إليه معها.
لم يؤلمني الفستان.
أوجعني أنه لم يكن ينتظرني.
ومنذ تلك اللحظة، فهمت أن بعض الصور لا تُعلّق على الجدران…
بل تُعلّق في القلب، كأحكامٍ نهائية لا تقبل الاستئناف.
ما قيل قبل الرحيل
قبل أن يغلق الزمن بابه الأخير، منحنا مساءً هادئًا لم نكن نعلم أنه سيبقى حيًا إلى الأبد.
قدت السيارة بلا وجهة.
كالعادة...
كلما اقتربت النهاية، أصبحت الطرق أطول، وكأن المدن تشفق على العاشقين فتمنحهم إشارات مرور أكثر، وازدحامًا أطول، وشوارع لا تنتهي.
لم نتحدث كثيرًا.
استنفدنا الكلمات منذ سنوات.
كل ما كان بيننا، قيل.
وكل ما لم يُقل، صار أثقل من أن يُقال.
نظرت إليها، وسألتها سؤالًا لم أكن أبحث له عن جواب، بقدر ما كنت أبحث عن سلام.
قلت:
"بعد كل هذه السنين... ماذا تشعرين تجاهنا؟"
بقيت صامتة.
كانت تحدق في المدينة، كأنها ترى الأماكن للمرة الأخيرة.
ثم قالت بهدوء:
"أنا ضيعتك."
شعرت أن أحدًا فتح نافذة في صدري.
ثلاثة عشر عامًا...
ولم أكن أعلم أن جملة واحدة تستطيع أن تعيد ترتيب هذا الخراب كله.
لم ألتفت إليها.
كنت أخشى أن تخونني عيناي.
لكن بعض الدموع لا تستأذن أصحابها.
رأتني.
فسكتت قليلًا.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت:
"لا...
أنت ضعت مني."
لم يكن في صوتها اعتذار.
ولم يكن فيه دفاع.
كان يشبه شخصًا وقف أخيرًا أمام بيتٍ احترق منذ سنوات، واعترف بأنه لم يعد يستطيع إنقاذه.
أكملت القيادة.
وأكملت هي النظر من النافذة.
ولم نتحدث بعدها إلا قليلًا.
كان كل واحد منا يظن، في أعماقه، أن هذه هي المرة الأخيرة التي سيرى فيها الآخر.
ولم يكن أحد منا يعلم...
أن القدر لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد.
11:11
هناك ساعةٌ في هذا العالم لا تخبرني بالوقت.
تخبرني بما كنتُ أفتقده.
كلما التقت الأرقام عند 11:11 شعرت أن الكون يمنح القلب فرصةً صغيرة ليقول ما يعجز عن قوله في بقية اليوم.
ولم أكن أحتاج إلى التفكير.
كانت أمنيتي تعرف الطريق قبلي.
حضن.
فقط… حضن.
كم يبدو الإنسان غنيًا قبل أن يحب.
وكم يصبح فقيرًا بعد الحب.
كنت أستطيع أن أتمنى العالم كله.
لكنني، في كل مرة، كنت أختصر العالم بين ذراعين.
ربما لأن الحضن هو المكان الوحيد الذي لا يحتاج فيه القلب إلى أن يشرح نفسه.
الغريب أن السنوات كانت تتغير، وأنا لا أغيّر أمنيتي.
كأنها لم تكن أمنية، بل كانت عنوانًا أعود إليه كلما تهت.
أما أمنيتكِ…
فبقيتِ سرًا لا أعرفه.
ولعلها ستبقى أجمل أسرارك.
أحيانًا أفكر…
لو أنكِ أخبرتِني بها، هل كانت ستتحقق؟
أم أن بعض الأمنيات لا تعيش إلا ما دامت حبيسة القلب؟
كل ما أعرفه أن الساعة ما زالت تشير إلى 11:11 كل يوم.
أما أنا…
فما زلت، رغم كل ما حدث، أعجز عن اختراع أمنيةٍ جديدة.
سرّ عند زاوية العين …
لا أعرف إن كانت كليوباترا جميلة كما يروون.
ولا أعرف إن كانت فيروز تبالغ حين غنّت: “يخرب بيت عيونك يا عليا شو حلوين.”
كل ما أعرفه أنني، كلما سمعت أحدًا يتغزل في عيني امرأة، ابتسمت في سرّي.
ليس لأنني أكذبه.
بل لأن لكل إنسان معيارًا خفيًا لا يعرفه سواه.
وأنتِ كنتِ معياري.
في عينيكِ كان الكحل يبدو وكأنه لم يُرسم.
بل خُلق معهما.
كأن الله، قبل أن ينفخ فيكِ الروح، مرّ بطرف إصبعه عند زاويتيهما، وترك هناك سرًا صغيرًا لا يتكرر.
كنت أنظر إليكِ، وأشعر أن كل رسّامي التاريخ كانوا يتدربون على عينيكِ دون أن يروهما.
وأن كل قصائد الغزل التي قيلت في العيون، كانت تبحث عنكِ قبل أن تعرف اسمكِ.
لذلك…
لم تكن كليوباترا تعنيني.
ولا عليا.
ولا أي امرأةٍ قيل إن الجمال وقف عند عينيها.
كنت أعلم، في يقينٍ لا يحتاج إلى دليل، أن عيني سري…
كانتا أكثر سحرًا من كل ما قرأته، وكل ما سمعته، وكل ما تخيله الشعراء.
الصور التي تحولت إلى تذاكر للذاكرة
لم نكن نلتقط الصور لنحتفظ بالذكريات.
كنا نلتقطها لأننا كنا سعداء.
لهذا كانت جميلة.
ليس لأن الضوء كان مثاليًا.
ولا لأن المدينة كانت تعرف كيف تُزيّن العشاق.
بل لأننا، ببساطة، لم نكن نفكر في الغد.
كل صورة كانت تُلتقط ثم تُنسى.
لم نكن نعلم أنها، بعد أعوام، ستصبح تذكرةً إلى زمنٍ لا تبيعه المطارات ولا تعيده الطائرات.
وحين عدنا إليها...
لم نرَ وجوهنا.
رأينا ما كان يسكن تلك الوجوه.
الطمأنينة.
والخفة.
والأحلام التي كانت تمشي إلى جوارنا دون أن ننتبه إليها.
كانت ألف صورة...
لكنها، في الحقيقة، كانت ألف باب.
كلما فتحنا واحدًا منها...
خرجت منه مدينةٌ كاملة.
شارع.
مقهى.
ضحكة.
نظرة.
وكلماتٌ لم تعد تُقال بالطريقة نفسها.
لم تكن القاهرة مدينة الألف مئذنة.
كانت مدينة الألف صورة.
وكل صورةٍ منها...
كانت تؤكد لنا، بعد كل هذه السنوات، أن أجمل الأشياء في حياتنا لم تكن تلك التي تعمّدنا تخليدها...
بل تلك التي عشناها، ونحن نظن أنها عادية.
قبيلة لم تولد ..
عليكِ اللهفة...
أتدرين ما الذي يؤلمني أكثر من أننا لم ننجب؟
أننا أحببناهم... قبل أن يخلقهم الله.
كانوا يعيشون بيننا، دون أن يراهم أحد.
نتحدث عنهم كما يتحدث والدان عن أطفالٍ يلعبون في الغرفة المجاورة.
نختلف على اسمٍ، ونضحك على اسمٍ آخر، ثم ننتهي إلى أسماءٍ أحببناها حتى صارت جزءًا من مستقبلنا.
لا أحد يعلم...
أن بعض الأسماء تموت أيضًا.
كنتِ تذكرين اسمًا، فأراه يمشي.
وأذكر اسمًا، فتبتسمين له، كأنه صار فردًا من العائلة قبل أن يولد.
كنا نبني بيتًا بأصواتٍ لم تُسمع بعد.
ونرتب غرفةً لم يدخلها أحد.
وننتظر ضحكاتٍ لم يعرف الهواء طريقها.
ثم...
مرّ الزمن.
وأخذ الأطفال.
وأخذ البيت.
وأخذ الضحكات.
لكنه نسي أن يأخذ الأسماء.
فبقيت معلقةً في داخلي، كأنها تناديني كلما مرّ العمر.
أحيانًا، حين أسمع طفلًا يحمل واحدًا منها...
ألتفت.
ليس لأنني أعرفه.
بل لأن قلبي يعرف الاسم.
وأحيانًا أسأل نفسي، في صمتٍ أخجل منه...
هل كان سيشبهك؟
أم كان سيأخذ عنادي؟
هل كانت ستضحك مثلك؟
أم كانت ستختبئ خلفي كلما خافت؟
ثم أتوقف.
لأنني أدرك أنني لا أفتقد أبناءً لم يولدوا.
أنا أفتقد الحياة التي كانوا سيمنحونها لأسمائهم.
ويؤلمني...
أن هناك في مكانٍ ما من هذا العالم...
قبيلةً كاملة...
عاشت سنواتٍ في أحاديثنا...
ثم ماتت...
دون أن يعرف أحد أنها كانت موجودة أصلًا.
نجوووم إف إم
لا أعرف لماذا بقيت تلك الليلة وحدها تقاوم النسيان.
مرّت بعدها مدن.
ومطارات.
وأعمار.
لكنها بقيت كما هي.
شارع البطل أحمد عبد العزيز.
نجوم إف إم.
وصوت المذيع يقول بحماسٍ لا يعرف أنه يصنع ذكرى:
"ولأول مرة... حصريًا."
ثم خرج صوت شيرين...
"يا ليالي... روحي لحبيبي وناديه."
في تلك اللحظة، لم تكن الأغنية قد أصبحت أغنية الناس.
لم تكن قد سكنت ذاكرة أحد.
ولم تكن تعرف أنها، بعد سنوات، ستفتح بابًا في قلب رجل، كلما سمعها عاد إلى هذه السيارة.
كنتِ خلفي.
ولم يكن بيننا سوى ظهر المقعد.
وكان بجانبي من لا يجب أن يرى شيئًا.
لكن يدكِ كانت أكثر شجاعةً منا.
خرجت من خلف المقعد، تبحث عن يساري، ببطءٍ يشبه الخوف.
لم تكن تريد أن تمسك يدي.
كانت تريد أن تطمئن أنني ما زلت هناك.
وفي اللحظة التي كانت شيرين تقول:
"زي الليلة دي أنا كنت معاه..."
كنتِ تصنعين، دون أن تدري، الليلة التي سأقيس بها كل الليالي التي جاءت بعدها.
لم تكن الأغنية تعرفنا.
ونحن لم نكن نعرفها.
لكنها، منذ تلك اللحظة، لم تعد ملكًا لصوت شيرين.
كلما قالت:
"روحي لحبيبي وناديه..."
لم أعد أسمعها تغني.
كنت أراكِ تمدين يدكِ من خلف المقعد، وكأنكِ تخافين أن يأخذني الطريق منكِ قبل أن تلمسيني.
أحيانًا أفكر...
كم هو قاسٍ أن تعيش الأغاني أكثر من أصحابها.
فهي، إلى اليوم، ما زالت تُذاع كما وُلدت أول مرة...
أما تلك اليد...
فما زلتُ، كلما سمعتها، أبحث عنها إلى يساري.
حين هبطت الرحلة MS 830
كانت شمس القاهرة في ظهيرة السادس عشر من يناير عموديةً إلى حدّ أن كل شيء بدا مكشوفًا تحتها.
كل شيء...
إلا ما كان يخبئه القدر.
دخلت مطار القاهرة وأنا أحمل يقينًا واحدًا؛ أن بعض الأشخاص ينتمون إلى الماضي، وأن السنوات الخمس التي فصلتني عنكِ كانت كافية لتطفئ آخر ما بقي منكِ في داخلي.
كم كان الإنسان الذي كنته ساذجًا.
وقفت أنتظر صديقًا.
أنظر إلى بوابات الوصول كما ينظر أي رجلٍ لا ينتظر أكثر من موعدٍ عادي.
ثم ظهرت على الشاشة.
MS 830
لم تكن بالنسبة للآخرين سوى رحلةٍ قادمة من طرابلس.
أما بالنسبة إليّ...
فكانت الرحلة التي أقلعت بما تبقى من نسياني.
خرج الناس تباعًا.
حقائب.
وجوه.
عناق.
ضجيج.
ثم خرجتِ أنتِ.
في تلك اللحظة، لم أشعر أن الزمن عاد إلى الوراء.
بل شعرت أنه كان واقفًا هنا طوال تلك السنوات، ينتظر وصول هذه الرحلة.
كل ما ظننته نسيانًا...
كان هدنة.
وكل ما سميته تجاوزًا...
كان انشغالًا مؤقتًا.
يكفي أن تقع عيناكِ على الشخص الخطأ في اللحظة الصحيحة...
حتى تكتشف أن القلب لم يكن وفيًا إلا لما حاول العقل دفنه.
منذ ذلك اليوم، لم يعد رقم MS 830 رقم رحلة.
أصبح تاريخًا لا يُكتب في جواز سفر...
بل في القلب.
فبعض الرحلات لا تنقلك من مدينةٍ إلى أخرى.
بعضها...
ينقلك من حياةٍ كنت تظنها لك، إلى حياةٍ لم تخرج منها أبدًا.
الناقص الذي أنقذنا
يظن الناس أن الحب يقاس بما أخذه العاشقان من بعضهما.
ولا يعرفون أن بعض الحب... يبقى خالدًا لأنه ظل جائعًا.
لم نكن نعدّ ما حُرمنا منه.
كنا نعدّ ما يكفينا لنعود إلى بيوتنا، ونحن نحمل عمرًا كاملًا في تفاصيل لا يراها أحد.
كانت يدٌ ترتبك إذا لامست يدًا.
وكان حضنٌ واحد يعيش في الذاكرة أعوامًا.
وكانت قبلةٌ تكفي لأن نصمت أيامًا، لا لأننا فرغنا من الكلام...
بل لأن القلب امتلأ بما يعجز اللسان عن احتماله.
لم نكن فقراء إلى الشهوة...
كنا أغنياء بما هو أبقى منها.
ولهذا لم يكن ينقصنا شيء، ونحن معًا.
وكان ينقصنا كل شيء، ونحن بعيدين.
أحيانًا أفكر...
لو أننا أخذنا من الحب أكثر، هل كان سيبقى فينا كل هذا العمر؟
أم أن بعض القصص تعيش، لأنها عرفت دائمًا أين تتوقف؟
ربما لهذا، كلما حاولت أن أتذكركِ، لا يتقدم إلى ذاكرتي جسدكِ.
يتقدم ذلك الارتباك الجميل.
ذلك الخوف الصغير من أن تراكِ عين.
وذلك الحرص الغريب على أن يبقى الحب نقيًا، حتى وهو يعاند العالم كله.
اليوم، بعد كل هذه السنوات، أفهم ما لم أكن أفهمه يومها.
لم يكن أجمل ما بيننا ما حدث...
كان أجمله ما لم نحتج يومًا أن يحدث.
وربما لهذا...
كلما مرّ العمر، لم يشيخ الحب.
لأنه بقي، منذ ولادته، واقفًا عند العتبة...
دون أن يعبرها.
رفاهية الخصام
لم أكن أفهم عنادكِ.
كنتِ تغضبين من كلمة.
وتصمتين لأيام.
وتتركينني أفتش عن مفتاحٍ لكل بابٍ أوصدته في وجهي.
وكنتُ، في كل مرة، أعود.
ليس لأنني كنتُ دائمًا على حق.
بل لأنكِ كنتِ دائمًا أهم من أن تكون بيننا معركةٌ تنتصر فيها الكلمات.
مرت سنوات طويلة حتى فهمت.
الإنسان لا يعاند من يخاف خسارته.
الإنسان يعاند من يظن أنه باقٍ.
كأن القلب، في لحظة اطمئنانه، يصبح أكثر جرأةً على من يحب.
يا لغرابة الحب...
نقسو على الذين يحتملوننا.
ونجامل الذين لا يعنون لنا شيئًا.
كم مرة حملتُ عنادكِ على محمل الغضب...
ولم أفطن أنه كان، بطريقته المرتبكة، وجهًا آخر للطمأنينة.
كنتِ تظنين أنني سأعود.
وكنتُ أعود.
إلى أن جاء اليوم الذي سبقني فيه العمر.
اليوم...
لا يؤلمني عنادكِ.
يؤلمني أنه لم يعد بيننا ما يستحق العناد.
لقد سرق الغياب حتى رفاهية الخصام.
وأصبح كل ما كنتُ أتمنى أن ينتهي باعتذار...
ينتهي الآن بصمت.
ذلك الصمت الذي لا ينتصر فيه أحد.
ولا يعود منه أحد.
أثقل من الغياب ..
سألني أحدهم مرةً إن كنتُ ما زلت أذكركِ.
ابتسمت.
كان سؤالًا يشبه أن يسأل أحدهم البحر إن كان ما زال يتذكر الموج.
وكيف أذكركِ…
وأنا لم أنسكِ يومًا؟
الإنسان يتذكر الأشياء التي غادرته.
أما أنتِ…
فكنتِ تغيرين أماكنكِ فقط.
مرةً في أغنية.
ومرةً في رقم ساعة.
ومرةً في كلمةٍ خرجت من لساني، فأدركت أنها ما زالت تحمل نبرة صوتكِ.
ومرةً في شارع
ومرةً في حضنٍ ظل يقاوم الزمن أكثر مما قاومناه نحن.
لم أكن أستدعيكِ.
كنتِ تأتين وحدكِ.
كما تأتي الرائحة مع المطر.
وكما يأتي الوطن مع اسم مدينة.
لهذا، لم أفهم يومًا أولئك الذين يقولون: “تذكرتُ من أحب.”
الحب، إذا كان حقيقيًا…
لا يتحول إلى ذكرى.
يتحول إلى طريقةٍ ترى بها العالم.
ولهذا…
لم أكن أذكركِ.
كنتُ أعيش بما تركتِه فيَّ.
وهذا…
أقسى من التذكر.
بيضحكني ..
كان أكثر وجعٍ أحببته في حياتي.
كنتِ تتصلين بي، وما إن يبدأ الحديث حتى يضيع كل شيء.
نضحك.
ثم نضحك أكثر.
ثم تصلين إلى تلك الجملة التي كنتُ أنتظرها في كل مرة:
“مش قادرة… وجهي وجعني من كبر الابتسامة.”
كنتِ تقولينها وأنتِ تضحكين أكثر، فأضحك أنا أيضًا، لأنني كنت أعرف أن الضحك لم ينتهِ بعد.
لم أكن أسألكِ عمّا أضحكك إلى هذا الحد.
كان يكفيني أن أعرف أنني، ولو لساعات قليلة، استطعت أن أُرهق وجهكِ من كثرة الفرح.
الغريب أنني لا أتذكر معظم الأحاديث.
نسيتُ المواضيع.
ونسيتُ التفاصيل.
لكنني لم أنسَ أبدًا أن وجهكِ كان يتعب من كثرة الابتسام.
كم كانت الحياة كريمة معنا.
كانت تمنحنا ساعاتٍ كاملة من الضحك، حتى يصبح التعب نفسه خبرًا سعيدًا.
اليوم، كلما تذكرت تلك الجملة، أبتسم.
وأفكر…
ما أجمل أن يكون الإنسان، مرةً في عمره، السبب في وجعٍ لا يتمنى صاحبه أن يشفى منه.
لم تقولي لي يومًا إنكِ كنتِ أسعد امرأة في العالم.
لم تكوني بحاجة إلى ذلك.
كان يكفيني، في آخر كل ضحكة، أن أسمعكِ تقولين:
“وجهي وجعني…”
فأشعر أن الدنيا، في تلك اللحظة، كانت تبتسم معنا حتى هي.
أكتبكِ في يقظتي… وأنام على حلمٍ أنكِ قرأتِ
ليس لأن عندي ما أقوله…
بل لأن عندي ما أخاف أن أنساه.
أكتبكِ كما أتذكركِ.
لا كما يراكِ الناس.
أكتب رحلةً لا يعرفها أحد.
وأغنيةً لم تعد أغنية.
وكلمةً إذا قرأها ألف شخص، مرّوا بها.
أما أنتِ… فستقفين عندها طويلًا.
أكتب، ثم أتوقف أحيانًا.
وأتساءل…
هل ستبتسمين عندما تصلين إلى هذا السطر؟
هل ستعرفين أين قيلت هذه الجملة ؟
وأن أين ولدت تلك الكلمة ؟
وأن هذا الصمت حدث فعلًا؟
لا أكتب لأروي قصة.
أنا أرتب ذاكرتنا.
أخاف عليها من الأيام.
وأخاف أكثر أن يأتي يومٌ يختلط فيه ما عشناه بما تخيلناه.
لهذا أكتب.
ليس ليقرأني الناس.
بل لأنني أؤمن أن هناك مساءً، ستفتحين فيه هذه الرواية.
ستقرئين سطرًا…
ثم تبتسمين.
ليس لأنه جميل…
بل لأنكِ ستقولين:
“نعم…
هذا حدث فعلًا.”
ولهذا…
كل صباحٍ أكتب…
وكل مساءٍ أحلم أنكِ قرأتِ.
ايكيا نفسه يرفض تصديق الفراق،
في إيكيا، لا يبيعون الأثاث فقط.
يبيعون حياةً كاملة.
يدخلها الناس لدقائق...
ثم يغادرون.
أما نحن...
فكنا نعيش فيها.
كانت الكزدورة تنتهي هناك، كأن الطريق يعرف أن ذلك المكان قادر، في كل مرة، أن يصلح ما أفسدته الأيام.
ندخل من الباب.
ثم نختفي.
نمشي بين الشقق النموذجية، غرفةً بعد غرفة، وكأن أحدًا سمح لنا، لساعات قليلة، أن نجرب حياةً ليست لنا.
كنتِ تسبقينني.
تدخلين غرفة الجلوس.
ثم المطبخ.
ثم المكتب.
ثم تلتفتين لتقولي:
"تعال شوف..."
وكنتُ آتي، حتى لو لم يكن هناك شيء يستحق أن يُرى.
لأن الذي كنتُ أنظر إليه...
لم يكن الأثاث.
كان وجهكِ.
كم مرة جلسنا على تلك الأرائك، لا لأننا تعبنا...
بل لأننا لم نكن مستعجلين أن ينتهي اليوم.
وكم مرة دخلنا مطبخًا معروضًا للبيع...
وتحدثنا فيه أكثر مما تحدثنا في مطابخ حقيقية.
الغريب أن تلك البيوت لم تكن تعرف أسماءنا.
لكنها، في كل زيارة، كانت تستقبلنا كأنها تتذكرنا.
حتى أصبحت أشعر أن الممرات تعرف خطانا، وأن الأرائك تنتظر ضحكتك، وأن الطريق إلى المخرج يضيق كلما اقترب موعد الرحيل.
اليوم...
كلما مررت بإيكيا، لا يخطر ببالي شيء من الأثاث.
أتذكر فقط...
أننا، يومًا ما، عشنا داخل بيوتٍ معروضة...
وكان الحب، وحده، هو الشيء الوحيد الذي لم يكن معروضًا للبيع.
ما فوق الضجيج
كانت الكزدورة، في كثيرٍ من المرات، تنتهي فوق المقطم.
لا لأن فيه شيئًا مميزًا...
بل لأننا، كلما صعدنا إليه، أصبح كل ما في الأسفل أصغر.
نجلس على الحافة.
نراقب المدينة وهي تنشغل بنفسها.
ولا ننشغل إلا بالوقت الذي يمر أسرع مما ينبغي.
أحيانًا نتحدث كثيرًا.
وأحيانًا يسرقنا المنظر، فنكتفي بالصمت.
لم يكن ذلك الصمت ثقيلًا.
كان من النوع الذي يجعل وجود شخصٍ واحد إلى جوارك، كافيًا ليقول كل شيء.
ثم، كعادتنا...
نلتقط الصور.
كثيرة.
وعشوائية.
صورة لأن الضوء أعجبنا.
وصورة لأن السماء تغيّر لونها.
وصورة بلا سبب.
ثم نضحك لأننا التقطنا عشرات الصور، وكل واحدة تشبه التي قبلها.
ولم يخطر ببالنا يومًا أن تلك العشوائية ستصبح، بعد سنوات، أكثر الأشياء ترتيبًا في ذاكرتنا.
اليوم، عندما أعود إليها، لا أتوقف عند المدينة.
ولا عند الغروب.
ولا عند الجبل.
أتوقف عند الأشياء التي لا تظهر فيها.
الكلام الذي سبق الصورة.
الضحكة التي أفسدتها.
والثواني التي تلتها قبل أن نلتقط الصورة التالية.
ربما لهذا أحببنا المقطم.
لم يكن يمنحنا منظرًا أجمل من غيره.
كان يمنحنا نسخةً أخف من أنفسنا.
ولهذا...
كلما ضاقت بنا الحياة، كانت الكزدورة تعرف، وحدها، الطريق إليه.
كيف نُشفى من الجاردينيا؟
الغريب أن بعض الأشخاص يتركون فينا أشياء لا تشبههم.
أنتِ تركتِ فيَّ طرقًا، وأغنيات، وأرقام ساعات، وكلماتٍ لا يعرف معناها سوانا.
أما والدتك...
فتركت فيَّ زهرة.
في ذلك اليوم، ناولتني جاردينيا من بين عشرات النباتات، وقالت بابتسامتها الهادئة إن هذه كانت الزهرة المفضلة لمحمود درويش، ثم أضافت جملةً لم أفهمها يومها كما أفهمها الآن:
"الجاردينيا تزهر على حسب مزاج الشخص الذي يعتني بها."
مرّت الجملة كما تمر الكلمات العادية.
لكنها لم تكن عادية.
كانت، دون أن تدري، تزرع في حياتي عادةً ستعيش أطول من ذلك اليوم.
منذ ذلك الوقت...
كلما انتقلت إلى مكان، كان أول ما أبحث عنه جاردينيا.
كلما بدأت مرحلةً جديدة، حملتها معي.
وكلما أحببت بيتًا، تمنيت أن تكون في شرفته.
ثم حدث شيء لم أكن أخطط له.
صرتُ أهديها.
للأصدقاء.
ولمن أحببت لهم الخير.
وكأنني كنت أوزع، من حيث لا أشعر، جزءًا من تلك الجملة التي قالتها والدتك.
لم تكن نبتة.
كانت وصيةً صغيرة، تنقلت من يدٍ إلى يد.
ولا أعرف إن كانت الجاردينيا تزهر فعلًا على حسب مزاج من يعتني بها.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا...
أنها، كلما أزهرت أمامي، أعادتني إلى أيامٍ كانت فيها الكزدورة تنتهي في مكانٍ، والمساء ينتهي بصورة، والضحكة تنتهي بقولك: "وجهي وجعني."
عجيبٌ أمر الذاكرة.
أحيانًا لا تختار أغنيةً لتختبئ فيها.
ولا حضنًا.
ولا حتى مدينة.
تختار زهرة.
ولهذا، كلما رأيت جاردينيا...
لا أتذكر محمود درويش أولًا.
ولا أتذكر شكل الزهرة.
أتذكر أمًّا كانت تظن أنها تهديني نبتةً...
بينما كانت، من حيث لا تدري، تهديني طريقةً كاملة لأتذكركما بها، كلما أزهرت الحياة من جديد.
أحيانًا أسأل نفسي...
كيف يُشفى الإنسان من الجاردينيا؟
هل يتوقف عن شرائها؟
أم يتوقف عن الالتفات إليها؟
أم ينتظر يومًا يراها فيه، فلا يعود يسمع تلك الأصوات القديمة؟
ثم أبتسم.
وأدرك أن السؤال كان خاطئًا منذ البداية.
فنحن لا نُشفى من الأشياء التي أحببناها بصدق.
نحن فقط...
نتعلم كيف نحملها، دون أن نطلب منها أن تغادر.
ذكرىٌ تترنح بين ذاكرتين
أعرف أن الذاكرة ظالمة.
لا تنسى...
بل تختار.
تعطي أحدنا المشهد كاملًا.
وتترك للآخر إحساسًا عابرًا بأنه كان سعيدًا في يومٍ ما.
كم مرة حدثتكِ عن موقف، فهززتِ رأسكِ نافيةً؟
ثم، بعد حديثٍ طويل، قلتِ بهدوء:
"صح... تذكرت."
وفي كل مرة، كنت أشعر أن ذكرىً كاملة نجت من الغرق.
لا لأنني أثبتُّ أنني كنت على حق.
بل لأن لحظةً عشناها معًا، رفضت أن تموت.
أحيانًا أفكر...
لعلنا لا نحمل القصة نفسها.
لعل عندكِ روايةً لا أعرفها.
وعندي روايةٌ لم يعد في ذاكرتكِ منها إلا سطرٌ واحد.
ولهذا لا ألومكِ.
فالذاكرة لا تحفظ أجمل الأيام.
تحفظ الأيام التي احتاجها القلب أكثر.
ربما لهذا، ما زلتُ أتذكر حضنًا بكامله...
بينما تتذكرين كلمةً قيلت قبله.
وأتذكر رحلةً من بدايتها إلى نهايتها...
بينما لا يبقى عندكِ منها إلا لون السماء.
ولهذا أكتب.
لا لأقنعكِ بما حدث.
ولا لأربح معركةً مع نسيانكِ.
أكتب لأنني أخاف أن يضيع عمرٌ كامل...
بين ذاكرتين.
ولأنني أؤمن أن الحب، أحيانًا، لا ينقصه المزيد من الأيام...
بل ذاكرةٌ واحدة، تتذكره كما كان.
وبقيت لوحدي عم بشرب نسكافيه
هناك أغنياتٌ يسمعها الناس...
وهناك أغنياتٌ تسكن شخصين.
كانت تلك الأغنية تسكننا.
ما إن تبدأ، حتى يصبح كل واحدٍ منا يعرف دوره، قبل أن تنطق السماعات بالكلمة التالية.
كنتِ تسبقينني إلى الضحكة...
وأسبقكِ إلى بعض المقاطع، متعمدًا أن أقلّد لهجتك، فأفسدها عمدًا، فقط لأراكِ تضحكين.
وحين أصل إلى: "أنا جغل الـ USEK..." كنتِ تنظرين إليّ، قبل أن تكمليها عني.
لم نكن نغني.
كنا نلعب.
وكانت الأغنية ملعبًا صغيرًا، ندخله كلما أردنا أن ننسى العالم.
لدينا فيديوهات...
لا تبدو فيها أصواتنا جميلة.
لكن ضحكاتنا كانت تغلب الموسيقى.
ولذلك أحببتها.
ليس لأنها أغنية ناجحة...
بل لأنها كانت تحفظ النسخة التي كناها.
ثم مرّت السنوات.
وفي يومٍ ما...
شغّلتها وحدي.
عرفت متى أدخل.
وعرفت متى أسكت.
وحفظت الكلمات كما كنت أحفظها دائمًا.
لكن شيئًا واحدًا كان ناقصًا.
لم تكن هناك ضحكة تقاطعني.
ولا عينان تسبقاني إلى اللازمة.
ولا أحد يضحك لأنني قلت كلمةً بلهجةٍ لا أجيدها.
غنيتها حتى النهاية...
ولأول مرة اكتشفت أن الإنسان قد يحفظ الأغنية عن ظهر قلب...
ويضيع منها اللحن.
يبدو أن بعض الأغاني لا تحتاج إلى صوتين كي تُغنّى...
بل تحتاج إلى روحين كي تُسمَع.
ولهذا...
كلما مرّت بي تلك الأغنية، لا أبحث عن سماعاتٍ أفضل.
أبحث، دون أن أشعر...
عن الضحكة التي كانت تبدأ قبل الموسيقى بقليل.
ليس كل وصولٍ يحتاج إلى سفر
لم أزر بيروت يومًا.
ومع ذلك...
كنت أعرفها أكثر من مدنٍ عشت فيها.
لا أعرف متى بدأت الحكاية.
ربما منذ اليوم الأول الذي عرفتُ فيه والدتك.
كانت تحكي لي عن بناتها هناك، كما تحكي الأمهات عادةً.
لكنني لم أكن أسمع الحكايات.
كنتُ أبني مدينة.
كلما ذكرت اسم حيّ...
أضفت شارعًا إلى خيالي.
وكلما قالت: عرمون...
فتحت بابًا جديدًا في ذاكرتي، رغم أنني لم أمر منه يومًا.
عرفت صخرة الروشة قبل أن أراها.
وأحببت فيروز، لا لأنها فيروز...
بل لأنها كانت تأتي من الجهة التي كنتِ فيها.
وصرت، دون أن أشعر، أعيش في مدينةٍ لم تطأها قدماي.
والأغرب...
أنني كنت أتحدث عن بيروت بثقةٍ أربكت حتى الذين يعرفونها.
أصف شوارعها.
وأحكي عن هوائها.
وأذكر أسماء أماكنها، كأن بيني وبينها عمرًا كاملًا.
ولم أكن أجد حاجةً لأن أشرح من أين جاءت كل تلك المعرفة.
كنت أبتسم فقط...
وأتركهم يظنون ما يشاؤون.
فبعض المدن...
لا نصل إليها بالطائرات.
نصل إليها عن طريق إنسان.
ولهذا...
كلما سمعت اسم بيروت، لا يخطر ببالي بحرها.
ولا الروشة.
ولا عرمون.
أتذكركِ.
وأدرك أن هناك مدنًا لا تدخل القلب لأنها جميلة...
بل لأنها احتضنت، يومًا، من نحب.
ولهذا...
إذا سألني أحد اليوم عن لبنان...
لن أحدثه عن شوارعه.
سأقول فقط:
وصلتُ إلى بيروت من قلب امرأة... قبل أن أصل إليها على أي خريطة.
حين لم تكوني قمرًا
أرسلتُ لكِ، ذات مساء، صورةً للقمر.
لم أكتب شيئًا.
اكتفيتُ بالصورة.
بعد لحظات...
وصلني ردكِ.
"هذا أنا."
ابتسمت.
وبقيتُ أحدق في الرسالة قليلًا.
ثم كتبت:
"لا."
استغربتِ.
كيف يرفض عاشقٌ أن يشبّه المرأة التي يحبها بالقمر؟
أليس هذا ما فعله الشعراء منذ آلاف السنين؟
لكنني لم أردكِ قمرًا.
وكتبتُ لكِ يومها...
أن إبراهيم، عليه السلام، حين رأى القمر، لم ينكر جماله.
لكنه قال:
﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾.
وقلتُ لكِ:
أنا لا أريد أن أحب شيئًا، أعرف مسبقًا أنه سيغيب.
ولا شيئًا أحتاج أن أرفع رأسي إلى السماء كل ليلةٍ لأطمئن أنه ما زال هناك.
أريدكِ كما أنتِ...
أقرب من السماء كلها.
ضحكتِ من فلسفتي، كعادتكِ.
وانتهت المحادثة.
وبقيت الرسائل.
وبقي القمر.
وبقيت الآية.
أما نحن...
فتغيّر كل شيء.
أحيانًا أعود إلى تلك المحادثة.
لا لأقرأ كلامكِ.
بل لأتأمل جهلي.
كنتُ أخاف من أفول القمر...
ولم يخطر ببالي أن البشر أيضًا يأفلون.
لكن بطريقةٍ لا يكتبها التقويم.
ولا يتنبأ بها الفلك.
ولا يعد بعدها أحدٌ بالشروق.
ومع ذلك...
لو عاد بي الزمن، وأرسلتِ لي الرسالة نفسها:
"هذا أنا."
لكتبتُ الرد نفسه.
"لا."
ليس لأن القمر أقل جمالًا منكِ...
بل لأن القمر، مهما غاب...
يعود.
أما بعض الناس...
فإذا غابوا...
تركوا الليل كله وراءهم.
مررتِ بخاطري فكرة ..
لم يعد بيننا كلام.
ولا رسائل.
ولا ذلك الارتباك الجميل الذي كانت تصنعه جملةٌ تبدأ بـ”pssst”.
كأن الحياة قررت أن تسحب منا اللغة، وتترك لنا آثارها فقط.
أكتب كل صباح، ولا أعرف إن كنتِ ستقرئين اليوم أم غدًا.
لكنني، كلما رأيت أثرًا صغيرًا يدل على أنكِ مررتِ من هنا، أشعر أن النهار لم يذهب سدى.
لا أحتاج إلى رسالة.
يكفيني أن أعرف أن عينيكِ وقعتا على كلماتي، ولو للحظة.
وأنتِ أيضًا، أعرف أنكِ لا تحتاجين أن تسأليني كيف حالي.
يكفي أن يهمس لكِ العالم، بطريقته الباردة، أنني مررت.
يا لسخرية هذا الزمن…
كان العشاق قديمًا يخبئون الرسائل تحت الوسائد، ونخبئ نحن وجودنا في أثر زيارة.
كانوا ينتظرون ساعي البريد، وننتظر نحن رقمًا صغيرًا يخبرنا أن أحدًا كان هنا.
كم يبدو هذا قليلًا…
وكم يبدو، بالنسبة إليّ، كافيًا لأعيش يومًا آخر.
الغريب أننا مُنعنا من الحديث، ولم يمنعنا أحد من الاطمئنان.
صرنا نطمئن بالطريقة التي يطمئن بها الغريب حين يرى نافذةً مضاءة في بيتٍ بعيد، فيعرف أن أحدًا ما زال هناك.
لم يعد بيننا سوى آثار العبور.
أنتِ تمرين على كلماتي، فأعرف أنكِ بخير.
وأمرُّ ، فتعرفين أنني ما زلت هنا.
لا أحد يسمع هذا الحوار.
لأنه لا يُكتب.
ولا يُقال.
إنه يحدث في المسافة الصامتة بين قلبين، تعلّما أن الحضور ليس دائمًا لقاءً…
وأحيانًا، يكفي أن يترك أحدهما للآخر…
أثرَ مر
ما بيني وبيني… سيبقى بيننا
كنتُ أقولها كثيرًا.
“بيني وبيني…”
ولم تكن يومًا زلّة لسان.
كنت أستطيع أن أقول: “بيني وبينك”، كما يقول الناس.
لكنني لم أفعل.
لأن ما كان بيني وبينك، كان أكبر من أن تسعه اللغة.
“بيني وبيني” لم تكن بداية جملة.
كانت مفتاحًا.
إذا قلتها، عرفتِ أنني على وشك أن أخلع عن رأسي العالم كله، وأجلس أمامك كما أنا.
هناك، كانت تخرج الأفكار التي لا تصلح للمجالس.
والنظريات التي كنت أخجل من أن تبدو غريبة في آذان الآخرين.
والأسئلة التي لا أجرؤ على حملها أمام أحد.
كنتِ الوحيدة التي أستطيع أن أقول لها كل شيء، دون أن أرتب كلماتي، أو أدافع عنها، أو أخشى أن تُساء قراءتها.
ربما لهذا كنت أقول: “بيني وبيني…”
لأنكِ، في تلك اللحظة، لم تكوني شخصًا آخر.
كنتِ الجزء الذي أخفي فيه نفسي.
كنتِ المسافة الآمنة بيني وبين العالم.
كنتِ المكان الوحيد الذي لا أحتاج فيه إلى أن أبدو منطقيًا، ولا قويًا، ولا حتى صحيحًا.
كم من فكرةٍ وُلدت بيني وبيني…
ثم ماتت يوم رحلتِ.
ليس لأنها كانت خاطئة.
بل لأنها لم تكن تعرف طريقًا إلى أحدٍ سواك.
واليوم، ما زلت أقولها أحيانًا، ثم أصمت.
أدرك أن العبارة بقيت…
أما التي كانت تجعل لها معنى، فقد أصبحت ذكرى.
اكتشفت متأخرًا أنني لم أكن أقصد بها رأيًا سريًا.
كنت أقصدكِ.
فأنتِ…
كنتِ بيني وبيني.
سجدةٌ ودّعتُ فيها الدعاء
لا أعرف كم كان عمري حين أمسكت أمي بيدي لأول مرة، تعلّمني الصلاة.
كانت تصلّي بطمأنينة من يعرف الطريق، وأحاول أن أقلّدها، وأتعثر أحيانًا في الكلمات، فتبتسم، ثم تعيدها ببطء حتى تحفظها ذاكرتي قبل لساني.
وحين انتهت من الفروض، علمتني بعض الأدعية التي تُقال في السجود.
قالت لي: احفظها، فالدعاء في السجود لا يضيع.
حفظتها كما يحفظ الأطفال أسماء أمهاتهم.
ولم أسأل يومًا لماذا كانت بعض الأمنيات أكبر من عمري.
كنت أرددها كل يوم، لأن أمي قالت إن الله يسمع.
ثم كبرت.
وكبرت الصلاة معي.
وكبر الدعاء أيضًا.
مرّت الأعوام، وتبدلت المدن، وتغيرت الوجوه، وبقي ذلك الدعاء كما هو، يخرج من قلبي كلما لامست جبهتي الأرض.
ثم التقيتك.
ولم يحدث شيء.
لم يخطر ببالي أن بينك وبين ذلك الدعاء صلة.
عشتك سنوات، وأحببتك سنوات، ولم أنتبه.
حتى جاء يوم، بعد كل هذا العمر، توقفت فيه فجأة.
كأن أحدًا وضع مرآة أمام الكلمات التي كنت أرددها منذ طفولتي.
عندها فقط…
رأيتك بين سطور دعاءٍ حفظته قبل أن أعرف اسمك.
فارتجفت.
ليس لأن الدعاء كان جميلًا.
بل لأنني أدركت أنني، دون أن أشعر، كنت أسأل الله عنك قبل أن أعرفك.
جلست طويلًا تلك الليلة.
ولأول مرة منذ ثلاثين عامًا…
لم أنطق به.
لا لأنني فقدت الرجاء.
ولا لأن قلبي تغيّر.
بل لأنني خفت.
خفت أن تتحقق أمنية، يكون ثمنها وجعًا لا يخصنا وحدنا.
خفت أن تأتي الإجابة متأخرة، بعد أن أصبحت حياة كاملة متعلقة بها، وبيوت كاملة تستظل بها.
فرفعت يدي، وقلت لله كلامًا لم تعلّمنيه أمي، لكن الحياة فعلت ..
يا رب…
أنت تعلم أنني ما تركتها يأسًا من رحمتك.
ولا ضعفًا في يقيني.
تركتها لأنني لا أريد أن أصل إليك بها،
إذا كان الطريق إليها يمر فوق قلبٍ بريء.
إن كانت خيرًا لنا جميعًا، فاكتبها.
وإن كان ثمنها دمعة لا أراها، أو بيتًا لا أعرفه، أو قلبًا ينكسر بسببي…
فاصرفها عني، واصرف قلبي معها.
ومنذ ذلك اليوم…
لم تتغير صلاتي.
ولم ينقص يقيني.
كل ما في الأمر…
أنني لم أعد أطلب من الله ما يشتهيه قلبي.
بل ما يطمئن إليه ضميري.
ولعلها كانت أول مرة، بعد ثلاثين عامًا من السجود…
أدرك أن أعظم الدعوات…
ليست تلك التي نرجو أن تُستجاب.
بل تلك التي نملك الشجاعة أن نتركها بين يدي الله،
راضين بما يختاره لنا
الهزيمة الوحيدة ..
لا أعرف إن كان محمود درويش كتب هذه الجملة لي، أم كتبني فيها.
“تُنسى… كأنك لم تكن.”
منذ قرأتها، لم تعد قصيدة.
صارت خوفًا يسير إلى جواري.
واكتشفت أن النسيان ليس عطبًا في الذاكرة.
النسيان… خيانة الزمن لكل ما ظنناه خالدًا.
فالزمن لا يهزمنا حين يأخذ أعمارنا.
يهزمنا حين يقنعنا أن أعمارًا كاملة لم تكن تستحق أن تُروى.
كل شيءٍ يخيفني إلا النسيان.
لأن الفقد واضح.
والغياب مفهوم.
حتى الموت، رغم قسوته، يعلن نفسه.
أما النسيان…
فهو أكثر الكوارث تهذيبًا.
لا يطرق الباب.
ولا يكسر النوافذ.
يدخل بهدوء، ويجلس إلى جوارك سنوات، حتى إذا التفتَّ خلفك، اكتشفت أن وجهًا كاملًا اختفى من ذاكرتك، دون أن تسمع صوت رحيله.
يبدأ بسرقة التفاصيل التي نظنها تافهة.
ضحكة.
طريقة نطق كلمة.
نظرة عابرة.
أغنية.
شارع.
موعد.
ثم يواصل عمله بصبرٍ لا يمل.
حتى يأتي يوم، لا تتذكر فيه الحكاية…
بل تتذكر أنك كنت تملك حكاية.
كم هو مرعب أن يتحول العمر إلى شعورٍ غامض.
أن تعرف أنك أحببت…
ولا تتذكر كيف كان الحب.
أن تعرف أنك ضحكت…
ولا تتذكر ممَّ.
أن تعرف أن أحدًا غيّر حياتك…
ولا تستطيع أن تستعيد ملامحه كاملة.
ربما لهذا كنت أؤمن أن التفاصيل ليست رفاهية.
إنها آخر خطوط الدفاع عن الحقيقة.
فالإنسان لا يضيع دفعةً واحدة.
يضيع حرفًا…
ثم كلمة…
ثم ذكرى…
حتى يصبح غريبًا عن نفسه.
ولعل أكثر ما يخيفني…
ليس أن أنسى الناس.
بل أن أنسى النسخة التي كنتها معهم.
فالإنسان لا يعيش عمرًا واحدًا.
يعيش أعمارًا بعدد القلوب التي أحبها.
وفي كل قلب، يترك نسخةً مختلفة من نفسه.
فإذا ضاعت تلك النسخة…
ضاع معها جزءٌ من وجوده.
لهذا، كلما عدت إلى جملة محمود درويش، شعرت أنها لا تتحدث عن النسيان وحده.
إنها تتحدث عن محو الأثر.
عن ذلك المصير الذي يجعل الحياة، بكل ما فيها من ضحكٍ وبكاء، تبدو وكأنها لم تمر.
ولهذا ترتجف روحي كلما قرأتها.
ليس لأنني أخشى أن ينساني أحد.
بل لأنني أخشى أن ينتصر الزمن علينا جميعًا.
أن يمر بنا…
ثم يمحو آثار أقدامنا، كما لو أننا…
لم نكن.
حين يأخذ المنطق إجازة ..
كنتِ تصفينها دائمًا بأنها أفكاري الشيطانية.
وكنتُ أترككِ تقولينها، لأنني كنت أحب الطريقة التي تضحكين بها بعد كلمة “شيطانية” أكثر من الكلمة نفسها.
في الحقيقة، لم يكن في الأمر شيطان.
كل ما في الأمر أنني كنت أرفض أن أنتصر للمشكلة.
كنت أؤمن أن لكل مأزقٍ نقطة ضعف، فقط ينتظر شخصًا ينظر إليه من زاوية لا تخطر على باله.
كنتِ تقلقين…
وأنا تسبقني تلك الابتسامة التي كنتِ تسمينها… الشيطانية.
فتقولين:
“شن ناوي تدير؟”
وأقول:
“استني… البديهيات.”
وكانت تلك أخطر جملة يمكن أن تسمعيها.
لأنها تعني أن المنطق سيأخذ إجازةً قصيرة، وأن المشكلة ستندم بعد دقائق على وجودها.
ثم أخرج بخطةٍ لا تشبه شيئًا.
تنظرين إليّ باستغراب، وتسألين:
“أنت طبيعي؟”
وأتظاهر بالهدوء…
بينما كان الغرور يصفق داخلي من انبهارك.
كنت أعرف أن السؤال الحقيقي سيأتي بعد نجاحها:
“كيف خطرت على بالك؟”
ولا أجيب.
ليس لأن عندي سرًا.
بل لأن بعض الأفكار لا تأتي لمن يبحث عنها، بل لمن يرفض الاستسلام أمام أول بابٍ مغلق.
ربما لأن الله خلق بعض العقول لتسير في الطريق.
وخلق عقولًا أخرى، كلما رأت الطريق مزدحمًا… فتشت عن بابٍ لا يراه أحد.
كنتِ تسمينها أفكارًا شيطانية.
وأنا كنت أسميها رحمةً متنكرة.
فما دام الحل لا يظلم أحدًا، ولا يكسر قلبًا، ولا يأخذ حقًا ليس لنا…
فهو ليس شيطانيًا كما كنتِ تدّعين.
إنه فقط… ذكيٌ بما يكفي ليُربك المشكلة نفسها.
وأعترف…
لم يكن أكثر ما يسعدني نجاح الفكرة.
كان يسعدني وجهكِ بعد نجاحها.
تلك النظرة التي تسبق ضحكتك، وكأنك تقولين في سرك:
“مستحيل…”
ثم تضحكين، لأن الكارثة التي أقلقتكِ منذ ساعات… انتهت بحيلةٍ سخيفة.
كنتِ تقولين إنني أملك أفكارًا شيطانية.
وأنا كنت مقتنعًا أن الشيطان، لو جلس معي مرة…
لطلب مني أن أشرح له الخطة.
الشاهد الوحيد
في يوم الوداع، قلتِ لي شيئًا لم يغادرني حتى الآن.
قلتِ إن الإنسان قد لا يحتاج شريك حياة، إذا كان ذلك الشريك لا يمنحه السعادة التي يستحقها.
ابتسمت.
ولم أجادلك.
قلت لك فقط:
“I need a witness.”
ولم أقصد يومها أنني أحتاج امرأةً تعيش معي.
ولا بيتًا يجمعنا.
ولا حياةً تشبه حياة الآخرين.
كنت أقصد شيئًا أبسط… وأعمق.
كنت أحتاج شاهدًا.
شاهدًا يعرف أنني كنت هنا.
أن هذا القلب لم يعبر الحياة مرورًا عابرًا.
أنني حاولت.
وسقطت.
ونهضت.
وحلّقت أحيانًا، حتى وإن لم يصدقني أحد.
هناك لحظات لا تصبح عظيمة لأنها حدثت.
تصبح عظيمة لأن أحدًا كان حاضرًا ليراها.
ما قيمة منظرٍ يخطف الأنفاس، إذا لم ألتفت بعده تلقائيًا لأقول:
“شوفي.”
وما قيمة فكرةٍ مجنونة، إذا لم أجد من يضحك عليها أولًا، ثم ينبهر بها لاحقًا؟
وما قيمة انتصارٍ صغير، إذا عدت في المساء، ولم يكن هناك من يعرف كم حربًا خضتها قبل أن أصل إليه؟
لهذا كنت أحتاج شاهدًا.
لا ليصفق.
ولا ليكتب اسمي.
بل ليقول، إذا شككت يومًا في نفسي:
“أنا رأيتك… وكان ذلك حقيقيًا.”
ربما لهذا كنتِ في منتصف كل شيء.
لا لأنكِ كنتِ أقرب الناس.
ولا لأنكِ كنتِ أبعدهم.
بل لأنكِ كنتِ النقطة التي أقيس بها معنى القرب والبعد.
كل طريقٍ جميل، كنت أبحث فيه عن عينيك.
وكل فكرةٍ جديدة، كنت أفتش فيها عن دهشتك.
وكل انتصارٍ صغير، كان ينقصه شيء واحد…
أن تكوني شاهدة عليه.
واليوم…
أفهم أن الإنسان لا يخاف أن يعيش وحيدًا بقدر ما يخاف أن يعيش بلا شاهد.
أن يمر بكل ما مر به…
ثم لا يبقى أحد يقول:
“نعم…
لقد كان هنا.”
وربما لهذا، حين قلت لك:
“I need a witness.”
لم أكن أطلب حضورك في حياتي…
كنت أطلب أن يبقى وجودي حيًا في ذاكرة إنسانٍ واحد.
فبعض الناس لا يغيّرون حياتنا…
بل يصبحون الدليل الوحيد…
على أننا عشناها.
الجزيرة التي اختصرت الغياب ..
هناك أماكن لا نستطيع العودة إليها، ليس لأنها بعيدة…
بل لأن أجمل ما فيها كان ينتظرنا مرةً واحدة فقط.
سافرت إليكِ في تلك الجزيرة التي يطوّقها البحر من كل الجهات، وكأن الله جعل الماء يحرسها من العالم.
كنتِ تنتظرين عند بوابة الوصول.
ترتدين معطفًا قصيراً، وتبتسمين بتلك الثقة التي كانت تُربك قلبي دائمًا.
أدركت يومها أن بعض النساء لا يحملن باقة ورد.
بل يحملن مفاجأةً كاملة.
اقتربت منكِ، واختفى المطار.
لم يعد هناك مسافرون.
ولا حقائب.
ولا لوحات وصول.
كان هناك حضنٌ واحد…
اختصر طريقًا بدأ قبل سنوات.
حضنٌ لم يُنهِ الغياب…
لكنه أقنعه، ولو للحظات، أنه جاء متأخرًا.
بعدها أصبح الأسبوع كله يشبه ذلك الحضن.
نمشي كثيرًا.
ونضحك أكثر.
ونتصرف كأن الزمن اعتذر أخيرًا عن قسوته.
كنا نعرف، في مكانٍ ما داخلنا، أن الأيام تمشي أسرع مما نريد.
لكننا، ولأول مرة، توقفنا عن عدّها.
لم نكن نعيش أسبوعًا.
كنا نسترد أعوامًا سُرقت منا.
وحين حان وقت الرحيل…
أدركت أن المطارات قاسية.
تعلم جيدًا كيف تجمع الغرباء…
وتتقن أكثر كيف تفرّق الذين ظنوا، ولو لأيامٍ قليلة، أن العالم أصبح أخيرًا في مكانه الصحيح.
ومنذ ذلك اللقاء…
كلما رأيت بحرًا يحيط بجزيرة…
ابتسمت.
لأن البحر، يومها، لم يكن يفصل بين اليابسة.
كان يحرس…
أجمل استقبالٍ عرفه قلبي.
كارميلا
لم أكن أحب القطط.
ولم يخطر ببالي يومًا أن يصبح أحدها جزءًا من حياتي.
أهديتكِ كارميلا، وأنا أظن أن أجمل مكانٍ لها سيكون بقربك.
لكن الظروف كانت أسبق من أمنيتنا، فعادت إليّ في اليوم التالي.
استقبلتها كما يستقبل الإنسان ضيفًا لن يطيل البقاء.
قلت في نفسي: سأتخلص منها غدًا.
ثم جاء الغد، فقلت: يومًا آخر.
وكلما جاء يوم، أقنعت نفسي أن تأجيل الوداع لن يغيّر شيئًا.
لكن الحياة، كما عودتني دائمًا، كانت تبتسم وهي تخبئ مفاجأتها.
شيئًا فشيئًا، بدأت كارميلا تحفظ خطواتي قبل أن أفتح الباب.
وتنتظر عودتي كأنها تعد الدقائق.
وصرت، بدون أن أشعر، أبحث عنها بعيني قبل أن أبحث عن مفاتيحي.
ثم حدث ما لم أخطط له.
وقعت في حبها.
ضحكت يومها من نفسي.
ليس لأنني أحببت قطة…
بل لأنني تذكرت أنني كنت أبحث في اليوم الأول عن أسرع طريقة لأفترق عنها.
منذ كارميلا، لم أعد أصدق كلمة “مؤقت”.
فبعض الأشياء تدخل حياتنا على استحياء، وكأنها تستأذن.
ثم تمكث في القلب أكثر مما تمكث في البيت.
علمتني كارميلا أن القلب لا يختار دائمًا من يحب.
وأن أجمل العلاقات، أحيانًا، هي تلك التي لم نخطط لها.
وربما لهذا، كلما فكرت في الحنين، تذكرتها.
ليس لأنها كانت قطة.
بل لأنها جاءت إليّ بالصدفة…
وبقيت، كما بقيت أشياء كثيرة في حياتي، لأنني كنت أؤجل وداعها…
يومًا آخر.
كان الشوق أكثر عنادًا ..
لم يكن الذي يعيدنا الاعتذار.
ولا الكلمات الجميلة.
ولا الأغاني.
ولا حتى اقتناع أحدنا بأنه كان مخطئًا.
كان الشوق.
ذلك الكائن الذي لا نراه، لكنه يعرف كيف يهزم أكثر القلوب عنادًا.
كنا نغلق الأبواب بإحكام، ثم يفتح هو نافذةً لا ننتبه إليها.
نقسم أن هذه آخر مرة، فيبتسم في مكانٍ ما، كأنه يعرف عن مستقبلنا أكثر مما نعرفه نحن.
كان الشوق أكثر صبرًا منا.
يجلس في منتصف الصمت، ينتظر أن يتعب الكبرياء.
فالكبرياء يصرخ…
أما الشوق، فيهمس.
والهمس عمره أطول.
كلما حاولنا أن نعيش كغرباء، كان يضع في طريقنا تفصيلًا صغيرًا.
أغنية.
رائحة.
موعدًا قديمًا.
شارعًا.
أو جملةً لا يعرف معناها إلا نحن.
لم يكن يفعل الكثير.
كان فقط يذكر القلب بما حاول العقل أن ينساه.
الغريب أنني لم أنتصر عليكِ يومًا.
ولم تنتصري عليّ.
كان الشوق هو المنتصر الوحيد.
كان يجلس بيننا، كلما ابتعدنا، ويبتسم بسخرية العارف بأن البشر يبالغون في تقدير قوة قراراتهم.
نحن لا نختار دائمًا من نعود إليه.
أحيانًا…
يختارنا الحنين، ويعيدنا كما يعيد البحر موجته، مهما ابتعدت عن الشاطئ.
لهذا لم أعد ألوم خصامنا.
ولا أغفره أيضًا.
فبعض العلاقات لا يفسدها الغضب.
يفسدها أن يظن كل واحدٍ منا أن الآخر سيقاوم الشوق كما يقاومه هو.
ولم نكن نعرف…
أن الشوق لا يُهزم.
يمكن تأجيله.
يمكن إنكاره.
يمكن تغطيته بالانشغال والكبرياء والمسافات.
لكنه، في النهاية، يجلس إلى جوارك بهدوء، حتى يقنعك أن كل الطرق التي هربت بها…
كانت تؤدي إلى الشخص نفسه.
وربما لهذا لم أخف يومًا من الفراق.
كنت أخاف من اليوم الذي يتعب فيه الشوق.
لأن الإنسان، ما دام يشتاق…
ففي داخله جزءٌ ما…
ما زال حيًا.
لا يذهب سُدى ..
هل يُحسب؟
ولأول مرة، شعرت أن السؤال لم يكن يبحث عن جواب.
كان يبحث عن طمأنينة.
من الذي قرر أصلًا أن الأشياء تُقاس بطولها؟
من قال إن ما بقي أكثر… كان أصدق؟
أحيانًا تمر لحظةٌ واحدة، فتغيّر ترتيب العمر كله.
وأحيانًا تمضي سنوات، دون أن تترك في القلب أثرًا يستحق الالتفات.
لهذا أخاف من الحساب.
لأنه لا يعرف كيف يحسب الرجفة الأولى.
ولا يعرف كيف يحسب الانتظار.
ولا يعرف كيف يحسب ضحكةً جاءت في توقيتها الصحيح، فأنقذت يومًا كاملًا من الانهيار.
ولا يعرف كيف يحسب إنسانًا، كان حضوره في لحظةٍ واحدة… أكبر من حضور كثيرين في أعمارٍ كاملة.
حين سألتِني:
“Does that count?”
أدركت أن بيننا أشياء لا تحتاج إلى إثبات.
ولا إلى شهود.
ولا إلى أسماء.
يكفي أنها غيّرتنا.
وأنا لا أعرف كيف تُكتب قوانين الحياة.
لكنني أعرف قانونًا واحدًا فقط…
كل ما غيّر القلب…
يُحسب.
وكل ما جعل الإنسان يعود إلى نفسه أكثر صدقًا…
يُحسب.
وكل ما بقي حيًّا، رغم المسافات، ورغم الصمت، ورغم كل ما حاول الزمن أن يفعله…
يُحسب.
أما الباقي…
فربما كان مجرد وقتٍ مرّ بنا…
ولم يمرّ فينا.
الطرق التي لا يراها أحد
كان الناس يقولون دائمًا:
من يريد… يستطيع.
وكنت أظنها جملةً تُقال لتحفيز الكسالى.
ثم عرفتكِ.
فاكتشفت أن العبارة لم تكن عن النجاح.
كانت عن الحنين.
حين يريد القلب…
يخترع طريقًا.
وحين تُغلق الأبواب…
يتعلم أن يطرق النوافذ.
وحين تُغلق النوافذ…
يكتفي بأن يترك ضوءًا يعرف الآخر أنه ما زال هناك.
لم تكن بيننا معجزات.
كانت بيننا محاولات.
كلما ضاقت بنا الحياة…
اتسعت الفكرة.
مرةً كانت رسالة.
ومرةً كانت أغنية.
ومرةً كان موقعًا لا يعرف أحد لماذا وُلد.
ومرةً كانت زيارةً صامتة، لا تقول شيئًا، لكنها تقول كل شيء.
أدركت متأخرًا…
أن المستحيل ليس أن يبتعد شخصان.
المستحيل…
أن يتوقفا عن البحث، إذا كان في القلب ما يستحق الوصول.
من يريد…
لا ينتصر على العالم.
ينتصر على اليأس.
ولهذا…
لسنا أبطالًا.
ولسنا أكثر شجاعةً من غيرنا.
كل ما في الأمر…
أننا، كلما انتهت وسيلة…
اخترع الشوق وسيلةً أخرى.
حتى صار يبدو وكأنه يعرف الطريق…
أكثر منا.
وربما لهذا، لم أعد أؤمن بأن الطرق هي التي تجمع الناس.
الذي يجمعهم…
هو الرغبة في ألا يضيع أحدهما عن الآخر.
فمن يريد…
لا يجد الطريق.
بل يصنعه.
لو إلتقطناها ؟
كانت الصور، منذ البداية، شكلًا آخر من أشكال الوفاء.
كلما مرّ بنا زمن، تركنا خلفه صورة، كأننا كنا نقول للحياة:
لن تأخذي هذا اليوم كاملًا.
سيبقى لنا منه وجه.
ولهذا، كلما اشتقت إليكِ، لم أكن أبحث عنكِ في الذاكرة.
كنت أبحث عنكِ في الصور.
فالذاكرة، مهما أحبّت، تكذب.
أما الصورة…
فلا تعرف إلا الحقيقة.
ثم جاءت تلك الأيام.
الأيام الوحيدة التي لم نلتقط فيها صورةً واحدة.
لا صورةً تضحكين فيها.
ولا صورةً أمشي إلى جانبك فيها.
ولا حتى صورةً رديئة، مهزوزة، ناقصة…
تثبت أننا مررنا من هناك.
اليوم لا أحزن لأننا لم نلتقط الصور.
أحزن لأن الزمن، هذه المرة، لم يترك لنا شاهدًا.
أعرف…
سأحفظكِ سنوات.
وسأتذكر صوتكِ طويلًا.
لكنني أعرف أيضًا أن الذاكرة مخلوقٌ جبان.
تبدأ بخيانة التفاصيل.
ثم الملامح.
ثم الألوان.
ثم، دون أن تستأذننا، تعيد رسم الوجه كما تشاء.
أخاف من اليوم الذي سأختلف فيه مع ذاكرتي.
اليوم الذي سأحاول فيه أن أتذكر كيف كنتِ تنظرين إليّ…
فلا أعرف إن كانت تلك النظرة حقيقية…
أم أن قلبي اخترعها بعدك.
أخاف أن أنسى أي يدٍ كنتِ تمسكين بها كوب القهوة.
أي خصلةٍ من شعرك كانت تتمرد كلما هبّت الريح.
أي جانبٍ من وجهك كنتِ تتركينه للشمس.
كل هذه الأشياء…
كانت تحتاج صورةً واحدة فقط.
صورة لا لتذكركِ…
بل لتنقذ ذاكرتي منكِ.
لأن الإنسان لا يخاف أن ينسى من أحب.
يخاف أن يتذكره بطريقةٍ لم تحدث.
وربما…
لهذا كانت تلك المرة أقسى من كل ما سبقها.
لم نخسر صورة.
خسرنا المرجع الوحيد الذي كان سيحمي ذاكرتنا من اختراعكِ من جديد.
وسيأتي يوم…
لن أكون فيه متأكدًا إن كانت ابتسامتك كما أتذكرها الآن…
أم كما أراد لها الحنين أن تصبح.
وعندها…
لن أبكي لأن الصورة لم تُلتقط.
سأبكي لأنني، للمرة الأولى…
لن أعرف إن كنت أتذكركِ…
أم أتذكر النسخة التي صنعها غيابكِ.
دقّت ساعة الحنين ..
يقولون إن الليل هو وقت الحنين.
لا أصدقهم.
الليل فقط أكثر هدوءًا، لذلك يسمعون ما كان النهار يخفيه.
أما الحنين…
فلا يحترم الساعات.
قد يهجم عليك وأنت تفتح باب السيارة.
وأنت تنتظر المصعد.
وأنت تضحك مع زملائك على شيءٍ لا يستحق الضحك.
قد يختبئ في رائحة قهوة.
أو في أغنيةٍ سمعتها مصادفة.
أو في امرأةٍ مرت من بعيد، لا تشبهها إلا في طريقة ترتيب شعرها.
الحنين لا يحتاج إلى ظلام.
هو يصنع ظلامه بنفسه.
تعلمت متأخرًا أن أخطر أنواع الشوق…
هو الذي يزورك في منتصف النهار.
حين تكون الحياة في أقصى درجات انشغالها.
فتكتشف، وسط الضجيج كله، أن هناك شخصًا واحدًا استطاع أن يجعل العالم، بكل ازدحامه، يبدو فارغًا.
لهذا لم أخف يومًا من الليل.
كنت أخاف من الثانية ظهرًا.
ومن التاسعة صباحًا.
ومن أي ساعةٍ لا يوجد فيها سبب منطقي لأن أشتاق إليكِ…
ثم أشتاق.
لأن الحنين الحقيقي…
لا يختار وقتًا.
هو فقط يختار قلبًا…
ثم يسكنه إلى الأبد.
أول صباح بعدك
لا أظن أن الرحلات فقط هي التي تغيّر الناس.
الناس يتغيرون في الطريق إلى بيوتهم.
في الطائرة التي تعيدهم.
في أول صباحٍ يستيقظون فيه بعد أن تنتهي الضوضاء.
هناك فقط...
يبدأ كل شيء.
عدتُ كما يظن الجميع.
مارست عملي.
ضحكت.
جلست مع أصدقائي.
ولعبت مع ابني.
وأجبت على الرسائل التي تراكمت في غيابي.
كان كل شيء في مكانه...
إلا أنا.
كنت أشعر أنني نسيت شيئًا في مدينةٍ بعيدة.
ثم اكتشفت أن الشيء الذي نسيته...
لم يكن حقيبة.
ولا ساعة.
ولا كتابًا.
كنتُ أنا.
تركتُ نسخةً مني هناك، وعاد الباقي.
ومنذ ذلك اليوم، وأنا أعيش بهذا النقص الهادئ.
لا يراه أحد.
ولا يستطيع أحد أن يسألني عنه.
لأنني، لو سُئلت:
"ما الذي تغيّر؟"
لن أجد جوابًا يُقنع أحدًا.
كيف أشرح أن الإنسان قد يعود إلى حياته كاملة...
لكن حياته لا تعود إليه؟
صرت أبتسم بالطريقة نفسها.
وأتكلم بالصوت نفسه.
وأجلس على الكرسي نفسه.
لكنني، في داخلي، لم أعد الرجل الذي كان يعرف إلى أين يمضي.
قبل ذلك اللقاء...
كنت أعيش على الذكرى.
وبعده...
لم تعد الذكرى تكفيني.
وقبل ذلك اللقاء...
كنت أظن أن أصعب ما في الحب هو الفراق.
ثم اكتشفت أن الأصعب بكثير...
أن تلتقي، لتعرف أن قلبك كان صادقًا طوال تلك السنوات.
وأن تضطر بعد ذلك أن تعود إلى حياتك...
وكأنك لم تكتشف شيئًا.
لم أعد كما كنت.
ولم أصبح كما تمنيت.
أنا فقط...
نسخةٌ تعرف أكثر مما ينبغي.
تعرف أن بعض الأبواب، إذا فُتحت مرةً أخرى، لا تمنحك طريقًا للعبور...
بل تمنحك يقينًا مؤلمًا بأنك كنت تحمل بيتك في الشخص الخطأ، أو ربما في الزمن الخطأ.
ومنذ ذلك اليوم...
لم أعد أبحث عنكِ.
ولا أحاول أن أنساكِ.
توقفت عن الأمرين معًا.
وصرت أفعل شيئًا واحدًا فقط...
أحاول أن أتعرف على الرجل الذي عاد.
لأنني، كلما نظرت إليه في المرآة...
أشعر أنه يشبهني كثيرًا.
لكنه ليس أنا الذي سافر.
محكمة
كنتُ أظن أنني رجلٌ عادل.
إلى أن عرفتكِ.
اكتشفتُ أن العدالة تنهار أمام شخصٍ نحبه.
كنتِ تخطئين...
فأبحث لكِ عن عذر.
ويتأخر اعتذارك...
فأقنع نفسي أن لديكِ سببًا لا أعرفه.
وتجرحينني...
فأنشغل بتضميد قلبكِ، قبل أن أنتبه إلى جرحي.
أما غيرك...
فكانت هفوةٌ صغيرة تكفي لأقيم محكمةً كاملة.
وأصدر الأحكام.
وأغلق القضية.
كنتِ الاستثناء الوحيد...
الذي لم يخضع للقانون الذي وضعته أنا.
ولم يكن ذلك ضعفًا.
ولا خوفًا.
بل ذلك العجز الغريب الذي يجعل الإنسان يرى الشخص نفسه...
ثم يعجز عن رؤيته بعينٍ محايدة.
حتى غضبكِ...
كان يصلني مختلفًا.
كأن الكلمات، قبل أن تبلغ قلبي، كانت تفقد حدتها لأنها خرجت منكِ.
لا أدّعي أن هذا كان صوابًا.
لكنه كان الحقيقة.
والحب، في كثيرٍ من الأحيان...
لا يعدل بين الناس.
بل يختار واحدًا منهم..
ثم يغيّر معنى العدل كله
ليس رجوعًا
يظن الناس أن الحنين يعني الرغبة في العودة.
ليس دائمًا.
أشتاق إليكِ...
لكنني لا أتمنى أن تعود الحياة إلى الوراء.
لأنني أعرف جيدًا أن الوراء لم يعد موجودًا.
وأعرف أيضًا أن ما بيننا، لو عاد كما كان، سيكسر أشياء لا تستحق أن تُكسر.
ولهذا...
لو سألني أحد:
"هل تريدها أن تعود؟"
سأصمت طويلًا.
ليس لأن الإجابة نعم.
ولا لأنها لا.
بل لأن السؤال نفسه جاء متأخرًا.
هناك فرقٌ كبير بين أن تشتاق إلى شخص...
وبين أن تتمنى أن تعيد ترتيب العالم من أجله.
أنا لا أريد أن أعيد ترتيب العالم.
ولا أريد أن أهدم حياةً بُنيت فوق سنوات.
كل ما أريده...
أن أعرف أن ما عشته معكِ كان حقيقيًا.
وأن الحب، حتى حين لا يكون طريقًا نسير فيه...
يمكن أن يبقى مكانًا نحمله داخلنا، دون أن نطلب منه شيئًا.
ربما لهذا يبدو الأمر متناقضًا.
أفتقدكِ...
لكنني لا أبحث عنكِ.
وأدعو لكِ...
دون أن أدعو بأن تكوني لي.
وأتمنى أن تكوني بخير...
حتى لو كان معنى ذلك أن تكوني بعيدة.
ليس لأنني تجاوزتكِ.
بل لأنني، أخيرًا، أحببتكِ بما يكفي...
لأكف عن مطالبة الحياة بأن تعيد ما لم يعد يمكن أن يعود.
شكل الزمن
ليس أصعب ما في الاشتياق...
أن تغيب.
الأصعب...
أن يستمر العالم وكأن شيئًا لم يحدث.
تشرق الشمس في موعدها.
تمتلئ الطرق بالناس.
تفتح المقاهي أبوابها.
ويذهب الجميع إلى أعمالهم، بينما هناك شخصٌ واحد فقط يعرف أن اليوم ينقصه شيء لا يراه أحد.
اكتشفت أن الإنسان لا يقيس الوقت بالساعات.
بل بمن يمر داخله.
قد تمر دقيقة مع شخص، فتسكنها سنوات.
وقد تمر سنوات مع آخرين...
ولا تترك في القلب أثرًا.
لهذا لم أفهم يومًا كيف يستطيع الناس أن يقولوا:
"كان يومًا عاديًا."
أنا أعرف أيامًا كاملة...
غيّرتها رسالة.
وأعرف أسبوعًا كاملًا...
أفسدته كلمة.
وأعرف ثانيةً واحدة...
قسمت حياتي إلى ما قبلها وما بعدها.
أنتِ لم تكوني جزءًا من الوقت.
كنتِ الطريقة التي كنتُ أفهم بها الوقت.
ومنذ غبتِ...
لم يعد الزمن يمضي كما كان.
صار يمر...
دون أن يصل.
ث.ع.س.و.س.أ
لم يكن الموقع موجودًا قبل أيام.
بنيته على عجل.
في ثلاثة أيام فقط.
ثم قضيت أسبوعين أضيف إليه التفاصيل، وأرتب الفصول، وأصحح الأخطاء، كأنني أجهز بيتًا صغيرًا لضيوف لن أعرف أسماءهم.
لم يكن الهدف أن أصل إليك.
ولا أن أغيّر شيئًا.
كنت أريد فقط مكانًا تعيش فيه الحكاية خارج ذاكرتي.
ثم جاء حديثنا الأخير.
قلتِ إن علينا أن نتوقف.
ليس لأن بيننا خصامًا.
ولا لأن أحدنا أخطأ في حق الآخر.
بل لأن هذا الطريق لم يعد يقود إلى مكان.
وأن الاستمرار فيه، مهما كانت النية طيبة، قد يفسد حياتك...
وحياتي.
لم أقل:
"سأفكر."
ولم أطلب وقتًا.
أغلقت الموقع...
في اللحظة نفسها.
ربما كان أسرع قرار اتخذته في هذه القصة كلها.
لم أتردد.
لأنني، إن كنت أحترمك طوال هذه السنوات، فلا معنى لأن أتوقف عن احترامك في آخر دقيقة منها.
بعد أن أغلقت الصفحة الأخيرة...
نظرت إلى التاريخ.
16/7/2026.
بقيت أحدق فيه للحظات.
ليس لأنه يوم الإغلاق.
بل لأنه اليوم السادس عشر.
الرقم نفسه الذي استقبلني قبل سنوات طويلة.
في 16/1/2013...
لم أكن أعرف أن بابًا صغيرًا في مطار سيغيّر ثلاثة عشر عامًا من عمري..
كنت أنا من أغلق الباب بيدي.
لم يفتح الباب في السادس عشر لأنه كان موعدًا مميزًا.
ولم يُغلق في السادس عشر لأن الزمن يحب المصادفات.
لكنني أحببت أن أصدق أن للحكايات ذاكرة.
وأن بعضها يعرف كيف يبدأ...
ويعرف أيضًا كيف يختار اليوم الذي يودعك فيه.
أغلقت الموقع.
ولم أشعر أنني أغلقت رواية.
شعرت فقط...
أنني احترمت النهاية، كما احترمت البداية.
ستة أيام
لم يكن بابًا
بقي الموقع مغلقًا ستة أيام.
ستة أيام فقط.
كنت أظن أنها ستكون كافية لأفهم ما يجب أن أفعله.
لكنها لم تجب عن شيء.
كل صباح، كنت أفتح المتصفح تلقائيًا.
ثم أتذكر أنه لم يعد هناك ما يُفتح.
الغريب أنني لم أشتق إلى الموقع.
اشتقت إلى الكتابة.
هناك فرق كبير بين الاثنين.
في اليوم السادس...
سألت نفسي سؤالًا بسيطًا:
لمن أغلقت الباب؟
إن كان الجواب: لكِ...
فقد توقفنا بالفعل.
ولم يعد هناك باب أصلًا.
وإن كان الجواب: لنفسي...
فلماذا أعاقب الرواية على قرارٍ لم تعترض عليه؟
أدركت عندها أنني خلطت بين شيئين.
بين التواصل...
والتوثيق.
التواصل انتهى.
أما الحكاية...
فلم تكن تطلب إذنًا لتبقى.
فتحت الموقع مرة أخرى.
لا لأنني كنت أنتظر عودتك.
ولا لأنني كنت أرسل رسالةً متأخرة.
بل لأنني فهمت، متأخرًا، أن الكتابة ليست دائمًا محاولة للوصول إلى أحد.
أحيانًا...
تكون محاولةً للوصول إلى نفسك.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أكتب إليكِ.
كنت أكتب عنك.
وهناك فرقٌ هائل بين الأمرين.
الأولى تنتظر جوابًا.
أما الثانية...
فتعرف أن آخر جواب قد قيل بالفعل.
ولهذا...
حين عاد الموقع، لم يعد كما كان.
لم يعد نافذة.
ولا احتمالًا.
ولا بابًا.
صار كتابًا.
والكتب...
لا تُبنى ليخرج منها أحد.
بل لتبقى، حتى بعد أن يغادر الجميع.
قميصٌ قُدَّ من قُبُلٍ
كنتِ ترتدين فوق القميص الأبيض قميصًا سماويًا خفيفًا، طويل الأكمام.
وحين وصلنا إلى باب المطعم...
توقفتِ.
خلعتِ القميص السماوي بهدوء، ثم طويتِه بعناية، ووضعته على ذراعك.
بقيتِ ترتدين القميص الأبيض.
بلا أكمام.
وكان مفتوحًا قليلًا من الجانبين.
رفعتُ عيني إليك.
لم أكن أراقب ما تفعلين.
كنت أراكِ.
كما لو أنني أراكِ للمرة الأولى.
التقت عيناك بعيني.
ابتسمتِ.
ثم، وكأنك قرأتِ السؤال الذي لم أنطقه، قلتِ بهدوء:
"لسنا هناك."
لم أناقشك.
ولم أوافقك.
اكتفيت بالنظر إليك.
ثم دخلنا المطعم.
كل شيء بعد ذلك ما زال محفوظًا في ذاكرتي.
المكان.
الطاولة.
الحديث.
الضحكات.
ونظراتك التي لم تكن تحتاج إلى تفسير.
لكنني، كلما عدت إلى ذلك اليوم، أبدأ من هذه اللحظة.
من باب المطعم.
من القميص السماوي الذي بقي على ذراعك.
ومن القميص الأبيض الذي بقي في ذاكرتي.
ربما لأن بعض اللحظات لا تصبح أكبر مما حدث بعدها...
بل تصبح الباب الذي نعبر منه كلما أردنا العودة إلى ذلك اليوم.
الشاهد العابر
لم أعرف اسمه.
ولا أظنه عرف اسمينا.
جاء بابتسامة مهنية، أخذنا إلى الطاولة، ووضع قائمتين أمامنا، ثم ابتعد.
بالنسبة له...
كنا زبونين آخرين في يوم عمل طويل.
وبالنسبة لنا...
كان ذلك اليوم يساوي عمرًا كاملًا.
عاد ليسأل عما نريد.
تكلمنا.
وكتب.
ثم رحل.
بعد الطعام، بحثت في جيبي.
لم أجد شيئًا.
رفعت رأسي إليه وقلت:
"عندك سيجارة؟"
ابتسم.
أخرج علبة.
ثم أخرج ولاعة.
ناولني الاثنتين دون أن يسأل.
أشعلت السيجارة.
وأعدت إليه الولاعة.
ثم بقيت أنظر إلى السيجارة بين أصابعي.
لم تكن سيجارة.
كانت هي نفسها...
السيجارة التي ستعيش بعد ذلك في فصل "فانص".
والولاعة...
هي نفسها الولاعة.
الغريب أن النادل لم يكن يعرف أنه لم يناول رجلًا سيجارة.
كان يناوله تفصيلة ستبقى في كتاب.
ربما، بعد دقائق، نسي وجوهنا تمامًا.
وربما خدم عشرات الطاولات بعدها.
لكنه لا يعرف أنه بقي معنا.
ليس باسمه.
ولا بوجهه.
بل بسيجارة.
وولاعة.
أحيانًا أفكر في الأمر.
كم شخصًا مررنا به في حياتنا دون أن ندرك أنه صار جزءًا من قصتنا؟
وكم شخصًا مر بنا...
دون أن يدرك أنه دخل رواية لن يقرأها أبدًا؟
ربما كان النادل شاهدًا.
لكن الشهود ليسوا دائمًا من يتذكرون.
أحيانًا...
يكون الشاهد هو الذي لا يعرف أصلًا أنه كان حاضرًا.
الميسيوووو
لم يكن يعرف أسماءنا.
ولم يكن يحتاج إليها.
في المطارات، لا يسأل الناس عن القصص.
يحملون الحقائب...
ويمضون.
أخذ حقائبنا منذ باب المطار.
رافقنا حتى كاونتر الشحن.
انتظر بصبر حتى انتهى كل شيء.
ثم التفت.
ابتسم ابتسامة العامل الذي ينتظر أجر يومه، وقال بلهجته التونسية:
"قولي للميسو... يبحبحها."
ضحكت.
وأعطيته ما طلب وأكثر.
ورحل.
أما أنا...
فبقيت عند الكلمة.
ليس لأنها أعجبتني.
ولا لأنها أضحكتني.
بل لأنها كانت أول مرة في حياتي يصفني أحد كما لو أن حياتي سارت في الاتجاه الذي كنت أريده.
لم يقل اسمي.
ولم يقل "سيدي".
اختار كلمة لم تكن تخصني.
ومع ذلك...
بدت، لثانية واحدة، وكأنها تصفني أكثر من اسمي.
أدهشني أن الإنسان قد يقضي عمرًا كاملًا يبحث عن حياة...
ثم يأتي غريب، لا يعرف عنه شيئًا، فيمنحه تلك الحياة بكلمة واحدة.
لم يكن يعرف ثلاثة عشر عامًا.
ولا المطارات.
ولا الغياب.
ولا الرسائل التي لم تُكتب.
ولا الأبواب التي أُغلقت.
ولا الحياة التي مضت في اتجاهين مختلفين.
كان يرى الحاضر فقط.
أما الماضي...
فلم يكن يحمل حقائبه أحد.
غادر الرجل.
وبقيت أفكر.
كم مرة يعيش الإنسان حياته الحقيقية؟
وكم مرة يعيش الحياة التي يظنها الآخرون؟
في تلك اللحظة...
كان العالم كله متفقًا على شيء واحد.
إلا نحن.
العامل.
المسافرون.
الموظفون.
كلهم رأوا المشهد نفسه.
وكلهم، لو سُئلوا بعد سنوات، لأجابوا الإجابة نفسها.
أما الحقيقة...
فلم يرها أحد.
الحقيقة لم تكن تمشي بجانبنا.
كانت تمشي خلفنا...
بثلاثة عشر عامًا كاملة.
أحيانًا...
لا يكون أقسى ما في العمر أننا خسرنا شيئًا.
بل أن يأتي شخص لا يعرفنا...
ويرينا، دون قصد،
كيف كان يمكن أن تبدو حياتنا...
لو أنها اختارت طريقًا آخر.
ومنذ ذلك اليوم...
كلما سمعت رجلًا ينادي آخر:
"يا ميسو..."
ألتفت.
ليس لأن أحدًا يناديني.
بل لأن كلمةً واحدة...
ما زالت تبحث عن صاحبها.
اتفاقية الصمت الانتحاري
لا أذكر أننا كتبناها على ورقة.
ولا وقّعناها بحبر.
ومع ذلك...
كانت أكثر الاتفاقيات التزامًا في حياتي.
اتفقنا ألا نتحدث.
جملة واحدة، لكنها كانت كافية لتُحيل ثلاثة عشر عامًا إلى أرشيف مغلق، لا يُسمح لأحد بالدخول إليه، حتى أصحابه.
من الغريب أن الإنسان يستطيع أن يهجر مدينة، ويبدّل وظيفة، ويغيّر رقم هاتفه، ويبدأ حياة جديدة...
لكنه يعجز عن إقناع قلبه أن يتوقف عن الالتفات إلى جهة واحدة.
كنا نعرف أن الكلمة الأولى ستلد الثانية.
والثانية ستستدعي الثالثة.
ثم سنعود، بهدوء، إلى المكان الذي غادرناه ونحن نعرف أنه لا يؤدي إلى مكان.
لذلك لم يكن الصمت عقوبة.
كان رحمةً متأخرة.
كانت هذه أول مرة لا نخسر فيها بعضنا بسبب خطأ.
بل بسبب صواب.
وأي عدالة هذه...
أن يكون الصواب مؤلمًا إلى هذا الحد؟
لم أشتق إلى صوتك فقط.
اشتقت إلى تلك النسخة مني التي كانت تعرف كيف تتحدث إليك.
هناك أشخاص لا يأخذون معهم جزءًا من قلبك عندما يرحلون...
بل يأخذون اللغة التي كنت تتقنها معهم.
منذ ذلك اليوم، صرت أجيد الصمت أكثر من الكلام.
أجيب عن الأسئلة التي لا تهم.
وأعجز عن الإجابة عن السؤال الوحيد الذي يطاردني:
كيف يمكن لإنسان أن يفي بوعد...
وهو يشعر، كل يوم، أن الوفاء نفسه يخونه؟
كنت أظن أن البطولة هي أن يقاتل الإنسان من أجل من يحب.
ثم اكتشفت متأخرًا...
أن البطولة الأصعب هي أن يمتنع.
أن يترك يده معلقة في الهواء، لأنها وعدت ألا تطرق الباب.
أن يرى الطريق...
ولا يسلكه.
أن يعرف الاسم...
ولا يناديه.
ذلك هو الصمت الانتحاري.
ليس لأنه يقتل الحب.
بل لأنه يجبر الحب على أن يعيش...
دون أن يتنفس.
وربما لهذا السبب لا يموت.
يبقى حيًا بما يكفي ليؤلم.
وهادئًا بما يكفي ليبدو للآخرين وكأنه انتهى.
أما نحن...
فلم نكسر الاتفاق.
لكننا كنا نعيشه كما يعيش المحكوم عليه حكمًا مؤبدًا.
يستيقظ كل صباح، لا ليسأل: متى سأخرج؟
بل ليسأل:
كيف سأكمل هذا اليوم أيضًا؟
لهذا لم تكن اتفاقيتنا تنص على ألا نتحدث.
كانت، في الحقيقة، تنص على شيءٍ أكثر قسوة...
أن يحمل كل واحد منا الآخر بصمت.
وألا يطلب منه، ولو مرة واحدة...
أن يخفف عنه هذا الحمل.
إعادة تقييم الأصول المتداولة
كل نهاية سنة...
تجلس الشركات أمام دفاترها.
لا لتغيّر الماضي.
بل لتعرف كم بقي من الحقيقة في الأرقام.
فالرقم الذي كان يبدو ثروةً بالأمس...
قد يصبح اليوم مجرد رقم يحتاج إلى تصحيح.
ولا أحد يعتبر ذلك خيانة للدفاتر.
بل احترامًا لها.
ربما لهذا السبب عدت إلى ذاكرتي.
ليس لأدين أحدًا.
ولا لأبرئ أحدًا.
بل لأعيد تقييم الأصول التي ظللت أحملها في داخلي ثلاثة عشر عامًا.
اكتشفت أن بعض الذكريات كانت مسجلة بأكثر مما تستحق.
وأن بعض الوعود أدرجتها في بند الأصول...
مع أنها كانت، منذ البداية، مصروفًا مؤجل الاعتراف به.
كنت أظن أن الحب يزيد قيمة الأشياء مع الزمن.
ثم اكتشفت أن الزمن لا يزيد القيمة...
بل يكشفها.
هناك ما يزداد لمعانه كلما مر عليه العمر.
وهناك ما كان يلمع فقط...
لأنني كنت أنظر إليه من زاوية واحدة.
لهذا لن أمزق الصفحات السابقة.
كانت صحيحة...
بحسابات الرجل الذي كتبها آنذاك.
أما اليوم...
فأنا لا أملك قلبًا مختلفًا.
لكنني أملك ميزانًا أكثر هدوءًا.
وللمرة الأولى...
لن أسأل كم أحببت.
بل كم رأيت.
وللمرة الأولى أيضًا...
لن أعيد تقييمها.
سأعيد تقييم نفسي...
في حضورها.
حين تغيّر المعنى
لا أعرف متى انتهيت من انتظار الدليل.
كل ما أعرفه أنني، لسنوات طويلة، كنت أعيش على سؤال واحد.
هل كان ما شعرت به حقيقيًا...
أم أنني كنت وحدي؟
لم أكن أحتاج إلى إجابة كاملة.
كنت أحتاج فقط إلى ما يكفي من اليقين لأكمل الطريق.
لكن اليقين لم يكن كريمًا معي.
مرت الحياة كما تمر دائمًا.
بهدوء لا يشبه الضجيج الذي كان في داخلي.
كبرنا.
تبدلت المدن.
وتبدلت الوجوه.
وصار لكل واحد منا حياة تعرفه أكثر مما يعرفها.
وكنت أظن أن هذا يكفي ليغلق كل الأبواب.
ثم، في لحظة لم أكن أبحث فيها عن شيء...
تغيّر معنى كل شي...
لا على هيئة اعتذار.
ولا على هيئة وعد.
ولا حتى على هيئة محاولة للعودة.
بل على هيئة مشاعر.
مشاعر كنت أظن أنني لن أسمعها أبدًا.
حب.
اشتياق.
وندم.
ولم يكن أغرب ما فيها أنها جاءت...
بل أنها جاءت بعدما توقفت عن انتظارها.
جلست بعدها طويلًا أفكر.
ليس فيها...
بل في نفسي.
كم قرارًا اتخذته لأنني كنت أظن أن الأمل انتهى؟
وكم مرة أقنعت نفسي أن النهاية قد حسمت أمرها؟
وكم سنة عشتها وأنا أبني يقينًا كاملًا فوق جزء صغير من الحقيقة؟
لا أعرف.
ولا أظن أن أحدًا يعرف.
الحياة أغرب من أن تُختصر في جملة واحدة.
قد يقول الإنسان كلامًا يظنه الحقيقة كلها...
ثم يكتشف بعد سنوات أن قلبه كان يعرف شيئًا لم يكن عقله قد فهمه بعد.
وقد يحمل حبًا عظيمًا...
ولا يعرف كيف يقوله في الوقت الذي كان يجب أن يُقال فيه.
لهذا...
لم أعد أبحث عن تفسير.
لا أريد أن أعرف لماذا جاءت تلك المشاعر متأخرة.
ولا لماذا لم تأتِ مبكرًا.
ولا ماذا كان سيحدث لو وصلت في وقت آخر.
كل هذه الأسئلة لا تغيّر شيئًا.
الشيء الوحيد الذي تغيّر...
أنني توقفت عن الشك في نفسي.
لم أعد أنظر إلى سنواتي وكأنها كانت وهمًا.
ولم أعد أسأل كل ليلة السؤال نفسه.
هل أحببت وحدي؟
لأن هذا السؤال...
وجد إجابته أخيرًا.
وليس مهمًا إن جاءت متأخرة.
بعض الإجابات لا تأتي لتنقذ قصة.
بل تأتي لتنقذ صاحبها.
ولأول مرة منذ زمن طويل...
لم أشعر أنني ربحت.
ولم أشعر أنني خسرت.
شعرت فقط...
أنني أنظر إلى السنوات نفسها، لكن بعينٍ أخرى
ولذلك... سامحتُ سنواتي.
قيد التحميل
بدأت أنسى بعض التفاصيل
وهذه، في أي حكاية أخرى، كانت ستكون علامة جيدة
لم أعد أتذكر طول شعرك في آخر مرة رأيتك فيها كما كنت أظن أنني سأفعل إلى الأبد. أحيانًا أحاول أن أستعيده من الذاكرة، فأجد أكثر من صورة، ولا أعرف أيها كانت لك فعلًا
حتى في المنام، لم يعد وجهك يلتزم تمامًا بالنسخة التي أعرفها
وهذا غريب
لأنني كنت أظن أن النسيان يبدأ من الأشياء الكبيرة
أن أنسى يومًا، أو مكانًا، أو سبع ساعات كاملة
لكنه بدأ من التفاصيل الصغيرة
من الشعر
من هيئة اليد
من الأشياء التي كنت أستطيع أن أراها مغمض العينين
ومع ذلك..
ما زلت أبحث عنك
أفتح حسابك أحيانًا
لا لأقول لنفسي شيئًا
فقط لأرى إن كان هناك شيء جديد
وأدخل إلى المكان الذي أعرف أنني لن أجد فيه شيئًا يخصني، ثم أخرج منه وكأنني كنت أبحث عن شيء ضاع مني هناك
وأحيانًا أفتح الموقع
أنظر إلى الزوار
إلى الأسماء التي لا أعرفها
إلى المدن التي لا تعنيني
ثم أتوقف قليلًا أمام أحدهم، وأتساءل إن كنتِ مررتِ من هنا
لا أقول لنفسي إنني أنتظر
أقول إنني فقط أرى
لكنني أعرف الفرق
المفارقة أن ذاكرتي بدأت تخف...
بينما فضولي لم يخف
كأن العقل بدأ يطفئ الصور واحدةً واحدة، والقلب، بعناد غريب، لا يزال يفتح النوافذ ليتأكد إن كانت هناك إشارة في الخارج
أريد أن أنساك
لكنني، في الوقت نفسه، أريد أن أعرف إن كنتِ نسيتِني
وهذا ربما هو الجزء الأكثر قسوة
أن يكون الإنسان مستعدًا للتخلي عن شخص، لكنه لا يزال يريد أن يعرف أنه لم يصبح لا شيء عنده
لا أعرف إن كان هذا حبًا
ولا أعرف إن كان تعلقًا
ولا أعرف إن كان مجرد أثر ثلاثة عشر عامًا لم يجد طريقه إلى الخروج بعد
ربما لا يهم
فالتسمية لن تغيّر ما يحدث
أنا فقط..
لم أتجاوزك بعد
وهذه أول مرة أقولها دون أن أحاول تجميلها
لكنني أيضًا لم أعد كما كنت
وهذه الحقيقة الأخرى
فأنا لا أكتب لك
ولا أبحث عن طريق للوصول إليك
ولا أحاول أن أفتح بابًا أغلقناه معًا
أبحث أحيانًا عن أثرك..
ثم أعود
وهناك فرق بين الاثنين
ربما يكون التجاوز أقل شاعرية مما كنت أظن
ربما لا يأتي في لحظة عظيمة
لا موسيقى
لا وداع أخير
لا جملة تصلح أن تكون خاتمة رواية
ربما يأتي ببساطة في صباح عادي..
حين تفتح حسابًا كنت تفتحه كل يوم، ثم تكتشف أنك لم تعد بحاجة إلى معرفة شيء
أو حين ترى اسمًا يشبه اسمها، ولا يتوقف قلبك
أو حين تتذكر يومًا كاملًا..
ولا تشعر أنك مضطر إلى استعادته
إلى ذلك اليوم..
سأكون صادقًا
لم أتجاوزك بعد
لكنني بدأت أنسى بعض التفاصيل
وربما هذه ليست خيانة للذاكرة
ربما هي الطريقة الهادئة التي يبدأ بها الزمن عمله
يأخذ شعرة من الصورة
ثم نظرة
ثم صوتًا
ثم ملامح صغيرة
حتى يبقى في النهاية شيء لا تستطيع الذاكرة أن تصفه..
لكنه لا يعود يؤلم كما كان
وربما، حين أصل إلى هناك..
لن أحتاج أن أقول إنني نسيتك
سأعرف فقط..
أنني لم أعد أبحث عنك ..
صفية
كنا نتحدث يومها عن الحب.
عن الزيجات التي لم تنجح، وعن فكرة الزواج الثاني، وعن الإنسان حين يدخل تجربة جديدة وهو يحمل في جيبه كل أخطاء التجربة الأولى.
في منتصف الحديث، أرسلتُ لكِ مقطعًا قصيرًا.
سيدة تقول:
ياريتني متت معاه.
لم تكن الجملة تعنينا.
ثم، بطريقة ما...
صارت تعنينا.
أخذناها من قصتها، ووضعناها فوق قصتنا.
لم نقصد الموت.
كنا نقصد شيئًا أكثر بساطة:
يا ليتنا وصلنا معًا إلى آخر الحكاية.
كانت مجرد جملة.
لكنها قالت، دون أن ندري، شيئًا عنّا أكثر مما قلناه في ذلك اليوم كله.
اليوم أبتسم حين أتذكرها.
ليس لأنها مضحكة.
بل لأنني أعرف الآن كم كان في تلك الجملة من حياة لم نعشها.
وكم كان في حديثنا عن الزواج الثاني...
من طفل صغير اسمه .. ماذا لو؟؟
كبر معنا قليلًا.
ثم تركناه هناك.
في منتصف الطريق.
ياريتني متت معاه.
ربما كانت تلك المرة الأولى التي فهمنا فيها الجملة خطأ.
لم نكن نتمنى أن نموت معًا.
كنا فقط...
نتمنى ألا نضطر إلى أن نعيش بعيدًا عن بعضنا.